عفاريت سليمان رواية للكاتب عبد الحافظ الصمدي
المعتوه الأحمق
رفعت تنورتها وهي تنظر بين قدميها، ثمَّ أعادتها بسرعة وهي تضغطها على جسدها المُنهك بكلتا يديها المرتعشتين، وكأنَّها تحتضن طفلًا جريحًا.
بدأت تصرخ طالبة النجدة، ولا شيء يجيبها سوى صدى الصراخ المتردد في جنبات الصمت الثقيل.
سكتت برهة وهي تتنفس بقوة وكأنَّها أدركت عدم جدوى العويل، ثم أشاحت ببصرها بعيدًا نحو السلاح النائم في الكهف تحت التلَّة.
"نعيمة جبريل" الفتاة البالغة من العمر 24 عامًا- والتي يصفها أبناء قريتها بالممثلة الأميركية الشهيرة "أنجلينا جولي" بسبب التشابه الكبير بينهما في تقاسيم الجسد والملامح عدا أنَّ نعيمة ذات بَشرةٍ سمراء- تبدو قرَّرت المواجهة أخيرًا، لكن بسلاحٍ لم يخطر على بال أحد، حتى رفيقاتها اللاتي هرعنَ على صراخها أُصِبنَ بالدهشة.
يَحدُثُ هذا بعد لحظات فقط من لقاءٍ جميلٍ جمعها بحبيبها "سليمان سيف الفُريخ"؛ إذ كانت للتوّ، تقف على منتصف الحنين تقاوم وطأة لهفة ليس بمقدور المسافات ولا دوي الرصاصات أن تهزم نشوتها.
للتوّ، كانت الفتاة غارقة في شغف اللقاء مع الحبيب بلحظات محمومة، تنهل من عينيه لتروي ظمأ اشتياقٍ يعتصرها، يجلدها بسياط لا ترحم، تتقاذفها فانتازيا العشق في لُجَّةٍ تمتد كواحاتٍ لا تود مغادرتها لكنَّها حريصة كل الحرص على ألا تفقد "الفلاشة"؛ تلك الوصلة الصغيرة التي أعطاها إياها "سليمان" بداية اللقاء وهو يقول لها: احتفظي بهذه فإنَّ فيها تسجيلات هامة"، فدسَّتها الفتاة في جيب بنطالها تحت تنورتها وما برحت طوال اللقاء تتحسَّسها من لحظة لأخرى كما تتحسَّسُ أعضاءها.
…
كانت الساعة تقترب من الثانية عشرة ظهرًا، حين غادرت "نعيمة" الدُّكان الصغير في قريتها "هوب الزين" ببلدة الذُخرة واتَّجهت نحو الجبل بتنورة طويلة برتقاليَّة اللون وسترة سوداء لمقابلة حبيبها هناك، حيث اتفقا قبل يومين على زمن ومكان اللقاء.
جلست "نعيمة" القرفصاء تنتظر قدوم الشاب "سليمان الفُريخ" أمام كهف في الجبل، حفره الحاج مهيوب إبراهيم، رجل الأعمال الذي أصبح غريب الأطوار، إذ صار يُطلق عليه "المعتوه" أوساط البلدة، بعد تعرُّضه لمواقف صادمة أدخلته في مرض نفسي جعله يؤثر الانطواء لفترة من الزمن قبل أن تتطور حالته ليصبح رجلًا سريع الانفعال يخوض اشتباكات مع كل من ينتقده أو يعارض تصرفاته، وصار له مغامرات قتالية حد التهور إلى حد جعل البعض يصفه بالمعتوه الأحمق، وآخرون كُثر في بلدة الذُخرة باتوا يتجنبون الجدال معه باعتباره أصبح مختل العقل.
لا الخوف، ولا حتى الأعراف، قد تتغلب على اللهفة المشتعلة لحظة اختمارها وجلَّ ما تخشاه "نعيمة"، هو اشتعال شغف الحبيب، فحرارة الشوق لها شبق لا يخمدها سوى التأوه تحت غطاء السرير والانصهار بصدر الحبيب، تتذكَّر كيف بدا لها في اللقاء السابق جوار منزلها، مُتيمًا على غير العادة، وهو يقول لها بجرأة لأول مرة: "أدركت أنَّ التلهف أمامك هو شهوة الحب الغزيرة حين تكونين كالشواطئ العارية تتمردين عن هفواتي، وشفتاك كقطعة سكر، تقاومين وطأة اللهفة لأجل أن تعانديني فحسب".
بدا لها "سليمان" من بعيد ببنطال جينز وقميص أخضر يحاكي لون العشب في الجبل الممتد من القرى المهجورة شرق البلدة حتى جبال تالبة غربًا.
فجأة ظهر لها من الجانب الآخر "الحاج مهيوب" حاملًا بندقية، يمضي بخفة بلا تلكؤ، وكأنَّه لا يزال بعمر الأربعين وليس كهلًا تجاوز الستين من عمره، ثم سمعته يردد وهو يقترب منها: "أنا بخفة قرد في الجبل، بإقدام ليث هاجمته كلاب مسعورة"، فتجاهلت ظهوره حتى تتحاشى غضبه وهي تتخوف من أن يهاجمها لأنَّها تحتل كهفًا حفره مؤخرًا، فهي تسمع عنه أصبح معتوهًا أحمقَ بعد أن كان ينعت بالأبله، لكن الرجل بادرها:
- من هناك؟.. (قالها وهو يشير نحو سليمان القادم).
- لا أعرف يبدو أحد شباب البلدة يبحث عن أغنام ضالة... (قالتها وهي تحاول التخلُّص من الارتباك).
- بل تعرفين أنَّه سليمان وأنا أعرف أنَّك تقابلينه، لكن مالا تعرفانه أنتما أنَّ أتباع ذي الأكتاف يطلبون هذا الفتى... (يشير بإصبعه نحو سليمان).
- يا رباه ولماذا يطلبونه؟ (قالتها لتظهر الاهتمام بكلامه حتى تتفادى غضبه، فهي ترى في حديثه مجرد هلوسات).
- ألم تسمعي بواقعة اغتيال سائحة أجنبية بعد أيام من زيارتها البلدة؟
- نعم أعرف هذا وأعرف أنَّ أصابع الاتهام تشير إلى جماعة الشيخ المتحاذق ذي الأكتاف، لكن ما علاقة سليمان بالقضية؟
- لأجل حرف مسار القضية تمهيدًا لطمس الحقيقة يا بُنيتي، فقد اختطفوا "هيثم نعيم" وآخرين للاستجواب حول ما يسمُّونها زيفًا ملابسات الجريمة.
تتسع عينا الفتاة وهي تهزُّ رأسها وتتصنع الاهتمام.
ثم هزَّ "مهيوب" بندقيته في وجه الفتاة وهو يقول: "لكن أنا لهم بالمرصاد".
قال هذا ومضى بالاتجاه الأيمن للفتاة.
كان "سليمان" قد اختفى في إحدى زوايا الجبل بعد أن رأى مهيوب، فيما وقفت الفتاة تتابع سير الرجل وهي تتمنَّى ألا يمكث بالقرب منها حتى رأته يوغل بالمضي بعيدًا باتجاه جبال تالبة.
لم تهتمِمْ نعيمة بحديث مهيوب، كون الحديث طال عنه مؤخرًا بأنَّه لم يعد مسؤولًا عن الكلام الذي يصدر عنه ووصل بالبعض وصفه بمختل العقل.
تتضارب الأخبار في رأسها؛ فقبل يومين سمعت أنَّ الحاج مهيوب ليس معتوهًا، بل يعتزم تشكيل جماعة مسلحة، وأنَّه استطاع أن يقنع بعضًا من رجال البلدة الذين تعرضوا للاعتداء والخطف، بالتصدي لانتهاكات جماعة ذي الأكتاف.
تحاول أن تصرف كل ما قد يشوِّش عقلها ويفسد متعة اللقاء بحبيبها، وتقنع نفسها بأنَّ الكلام عن أنَّ "مهيوب" بكامل قواه العقلية ويشكل جماعة مسلحة، مجرد شائعات هنا وهناك، كونها تعرفه جيدًا، فعلى مدى عامين ظلَّ منعزلًا في إحدى القرى المهجورة في الحبيل وكان يتصرف أحيانًا كالأبله، لكن سرعان ما يتبادر في رأسها حديث دار جوار منزلها بين شباب من أبناء القرية و"أيوب فهد" أحد الواجهات القبلية في البلدة.
كانت الفتاة إلى قبل مجيء الحاج مهيوب لا تهتمّ بما دار في الحديث الذي استرقه سمعها من نافذة المنزل، إذ يبدو كان مدفونًا في سلَّة الذاكرة بين تلك الذكريات المنسيَّة أو تلك الموغلة في القدم، عدا أنَّها بدأت الآن نشيطة الذهن وهي تدرسه من كل الجوانب، كيف لا ومهيوب ذكر في معرض حديثه استهداف حبيبها.
ثم تتذكَّر أنَّ مهيوب قبل إصابته بحالة نفسيَّة، كان يتمتع بصحة جيدة ويمارس الرياضة يوميًا، كما عُرف عنه التحلي بثقة مفرطة بالنفس، وتفانيه في تبني أعمال خيريَّة ودعم العمل الفني، بل أنَّه في إحدى الفترات أنشأ مع اثنين مستثمرين آخرين شركة إنتاج حققت نجاحًا باهرًا خلال عشر سنوات وزخرت شاشات القنوات التلفزيونية اليمنية بأعمال من إنتاج الشركة "نون للإنتاج الفني".
رد "أيوب" على شباب أطلقوا على مهيوب "الأحمق المعتوه"، بالقول: "أنتم المعتوهون؛ فالحاج مهيوب يُحضِّر لإعلان الكفاح المُسلَّح لإنهاء الغطرسة ورفع القهر الجاثم على البلدة، هو يرى أنَّ الإذعان للظلم، يمكن تجاوزه لكن المساهمة في ترسيخ ثقافة الإذعان، ذلك ما يرفضه الرجل ويجعله متوترًا وانفعاليًا.
أحدهم يبدو من صوته "يام النسر"، يتساءل بسخرية: "ومن يكون مهيوب حتى يقبل أو يرفض؟!" هه هه.
يتدخل آخر ليرد على "يام": يبدو أنَّ "أيوب" يتكلم عن الحاج مهيوب في العام 2005م، عندما كانت البلدة تخرج لاستقباله إلى المدخل، إذا ما عاد من جولاته الخارجيَّة.
يضيف ثالث مخاطبًا أيوب: مهيوب في الجبل منذ ثلاثة أعوام يا رجل، ليس عائدًا من باريس ولا من برلين ولا ينوي توزيع الملابس والحلويات على الأطفال، إذا كنت تعتقد أنَّه مازال ذلك الرجل المهووس بالسَّفر ولَفْت الأنظار، يجب أن تنظر على الأقل إلى ملابسه التي لم تعد تتجدد في كل ظهور على الناس، حاليًا لم يعد بائعو العسل ينتظرون قدومه ليتزاحموا أمام منزله.
ثم أجاب أيوب على شاب سأله: "هل تقبل أن تكون أحد أتباع المعتوه"، بالقول: "نعم، بل نحن كثر معه، ونعمل جاهدين على إرساء ثقافة الدفاع عن النفس لدى الشباب والفتيات... أنا أتحدَّث هنا لأننا غادرنا جانب العمل السري الذي كان مهيوب يحتاجه خلال فترة الإعداد والتحضير.
يعترض أحد الشباب: هل أفهم أن مهيوب صار بمرحلة جديدة لا أبله ولا معتوه أحمق؟
يرد أيوب فهد: قريبًا سترى أتباعه الشجعان من الفتيات والفتيان، قالها أيوب وهو يمضي باتجاه قرية العدنة.
بعد مغادرة أيوب، علَّق أحد الشباب على الخبر الجديد: "أيوب يحاول إطفاء نار نقمته من جماعة ذي الأكتاف التي اقتحمت منزله واختطفته لثلاثة أسابيع، بفانتازيا الكفاح المُسلَّح ولم يجد بطلًا لهذا غير شخصيَّة مهيوب".. رمى الشاب تعليقه بتلقائية وروح النكتة تتملَّكه ليغرق الشباب بالضحك.
كان "أيوب فهد" البالغ من العمر 45 عامًا، قد تعرَّض قبل نحو شهر للاعتقال بعد فترة من فقدانه زوجته بحادث مروري في المدينة ولديه منها ثلاثة أولاد؛ ذكران وبنت، ابنته أصبحت الآن شابة فيما الولدان لايزالان تحت سن الثامنة عشر.
"أيوب" خاض شجارًا قبل ثلاثة أشهر مع أفراد موقع للمسلحين التابعين للشيخ المُتحاذِق في جبل يقع بين قريتي العدنة وهوب الزين بالقرب من مزرعته الواقعة أسفل الجبل؛ حيث يزرع فيها أيوب، الخضار وبعضًا من الفواكه، كان أفراد الموقع قد منعوه من حراستها ليلًا لدواعِ أمنيَّة حسب مبرراتهم وتكفَّلوا هم بحراستها، إلا أنَّ محصول المزرعة تعرَّض للسرقة فحمَّلهم أيوب المسؤوليَّة ودخل بمشادة كلامية معهم تطورت إلى الاعتداء عليه بالضرب من قبل أحد المسلحين وهو ما دفع أيوب للتمترس في الجبل المقابل للموقع وإطلاق النار تجاه المسلحين.
وفي اليوم التالي وبعد غروب الشمس بلحظات، داهم أفراد الموقع قرية العدنة في محاولة لاعتقاله عدا أن تجمُّع الأهالي تضامنًا معه حال دون الاعتقال، لتأتي في وقت لاحق قوة مسلَّحة من أتباع ذي الأكتاف لاختطافه حتى يتركوا رسالة بالغة الأثر في قرى حبيل القشيب مفادها:" نحن أقوى من تضامنكم وقادرون على سحقكم في لحظات شروق الشمس أو بعد غروبها".
قطع تفكير "نعيمة" وقع حصوات تحطُّ بالقرب منها، تتلفت الفتاة هنا وهناك لترى "سليمان" بين الأشجار على مسافة قريبة منها وهو يشير لها بأن تنزل إليه.

تواصلكم يسعدنا