مجلة ديوان العرب

مجلة ديوان العرب الأدبية الثقافية هي مجلة أدبية ثقافية علمية تهتم بكافة أجناس الأدب والعلم وتسعى جاهدة لإلقاء الضوء على جميع المواهب في كافة الاتجاهات

random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

تواصلكم يسعدنا

مقامات زمن العنبر للكاتب محمد عبد الوارث


مقامات زمن العنبر للكاتب محمد عبد الوارث

  

الجِيهَــــــــــــــة!


صوت أذان المغرب يشق السكون.. أنظر عبر زجاج الشباك إلى الشريط الحديديّ اللامع لقطار أبي قير، الذي يغادر محطة الحضرة البحرية الواقعة بنهاية الشارع هادرًا، أرى البيوت المتاخمة للسكة الحديدية تنتهي إلى مبنى كلاسيكي متوسط الارتفاع كُتِبَ أعلى جدرانه بخط واضح "مصانع بونتريمولي للموبيليا"..
صوت عجلات القطار وصفيره ينبعث خافتًا إلى البيوت القديمة، ثُمَّ ما يلبث أن يواجه الفَرّجَة الواسعة التي يقع أمامها منزلنا؛ فإذا بصوت الصفير يزداد حدة ممزوجة بصدى ارتطام العجلات الحديدية مع القضبان مسببًا إزعاجًا قد اعتدناه مع طول الزمن فصار مألوفًا لنا، وأحيانًا يتوافق مع موقف ما أو مر بي.
تطلب أمي مني الذهاب لشراء بعض حاجياتها المطبخية التي لا تكف عنها.. أنزل الدرج من الطابق الرابع قافزًا كأنه لعبة أو أرجوحة، في منامتي الكستور ذات الصفين والياقة المقفلة، منتعلًا حذائي بلا جورب!
أمام المنزل تركد مياه الأمطار التي انهمرت ليلة الأمس فأحالت أرضية الشارع إلى بحيرة صغيرة من الرصيف إلى الرصيف؛ أدبُب حذائي في الماء البارد متوجهًا صوب الرصيف المقابل محدثًا "طرطشة" لا أبالي بالابتلال الذي قد نال من حذائي وأسفل بنطالي، وبلا مبالاة أستمر في طريقي "أطرطش" حتى أصل إلى محل البقالة.. أبتاع حاجيات أمي، ثُمَّ أعود لأخوض الماء محدثًا نفس "الطرطشة" حتى أصل البيت فأصعد الدرج لاهيًا!
من الراديو الـ "فيليبس" تنطلق نشرة أخبار الخامسة بمقدمتها الموسيقية (وهّابية الصنع).. يتواتر صوتها إلى مسامعي، إنّه موعد استيقاظ أبي ليسمع النشرة، وهو يتناول كوبًا من الشاي، ثُمَّ يتهيأ بعدها للنزول فأكون مع إخوتي في حالة تنبهٍ تامٍ وحرصٍ شديدٍ ألّا يصدر منا أي جلبة -تنفيذًا لتعليمات أمي- حتى نسمع صوت الباب يُغلق خلفه!
وعندما يصير الجوُّ صحوًا في الأيام التالية، وتجفُّ أرضية الشوارع يهرعُ أولادُ (الجيهة)  إلى الشارع الفسيح والذي عُرِف بــ"أرض المِعَسِّل" لوجود مصنع دخان (المِعَسِّل) والذي يملكه بعض الأجانب للهو البريء.. 
على الجانب المواجه للمصنع تقع فيلا عظيمة كان في أعلى سطحها مدخنة، فوهتها على هيئة طائر تتحرك مع الهواء إما لليمين أو اليسار؛ اعتدنا وكنا صغارًا أن ننادي على هذا الطائر بأنْ يلفَ ويدورَ، فكان الذي ينادي منا عندما يرى الطائر يستجيب لندائه ويتحرك مستديرًا يكون سعيدًا، ومنا من لا يستجيب الطائر لندائه. 
تظل عيوننا شاخصة إلى فضاء السطح الذي تعلوه المدخنة ذات الطائر المعدني الذي لم يتحرك أي حركة مما يحبط المنادي، وكان معنا طفل لجيراننا لم يحدث في مرة من المرات العديدة التي نادى فيها الطائر أن استجاب له فلا يتحرك إلى أي جهة، فتتعالى ضحكاتنا في صخب، والغريب أنه كان أكثرنا ضحكًا لحظهِ العاثر، لكن يملؤه الخجل!
....

على ملعب "أرض المِعَسِّل" كنا نحرص (أولاد، وبنات) على تنظيف أكبر مساحة مستوية تخلو من الحُفّر، ويحضرون لي الطباشير طالبين أن أرسم المظلات الكبيرة التي يهبط بها الجنود الإنجليز على أرض بورسعيد تواجههم المقاومة الشعبية بأسلحتها الخفيفة، وفي أحيان أخرى أرسم لهم البوارج الحربية والمدمرات التي تطلق القذائف على سفن الأعداء، وكنت ألتقط هذه المشاهد من الجرائد والمجلات المصورة؛ كنت عندما أنتهي أجد أصحابي يتحلقون حول الرسوم وعلى شفاههم علامات الإعجاب والسرور، فيما كانت إحداهن تنظر لي نظرة انبهار يغلفها إعجاب ممزوج بالتشجيع، وإن كنت وقتها لا أستطيع التفسير الدقيق لهذه النظرة التي عرفت فيما بعد أنها "حبُّ المراهقة"!
حيّ الحضرة البحرية الذي نعيش فيه يعج بالأجانب واليونانيين وبعض الطلاينة والشوام المسيحيين، فالبيت المواجه لمنزلنا تسكنه أسرة يونانية، وسطح منزلهم تطل عليه بلكونتنا الصغيرة، وفي صباحات متعددة كنت أرى "ماري"، وهي فتاة يونانية في مثل عمري، بيضاء موردة الخدين، قوامها الممتلئ وملامحها الأوروبية يغايران تلك الملامح التي ترتسم على وجوهنا من المصريين في الحي، كنت أَمْيَّزُ ما فيها خاصةً شعرها الكستنائي الناعم؛ ظللت لأيام أشاهدها وهي بمفردها أو مرافقة لأمها التي كانت تقوم بنشر الغسيل فائق البياض على السطح والشمس تلقي بشعاعها الصباحي الدافئ على الكون، ولا أعرف لماذا فكرت وقررت عندما يأتي الصيف أن أصنع طائرة ورقية مميزة، ولا أدري لماذا أخذت الطائرة الورقية الجميلة هذا الشكل الذي قمت بصنعه، كانت طائرة مسدسة الأضلاع بيضاء بلون ناصع، ينتصفها شريطان زرقاوان، وقد كوّنا شكل صليب أزرق كبير؛ أدركت فيما بعد بزمن أن شكل طائرتي الورقية هذا كان يعجب "ماري"، فهو يشبهها بالعلم اليوناني.. بعد ذلك برعت في صناعة الطائرات الورقية الملونة بأشكالها المختلفة.
 

عن الكاتب

فادية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

مجلة ديوان العرب