البناء الفكري والتشكيل الفني في القصة القصيرة
قراءة في مجموعة قبل فوات الأوان للقاص الدكتور/ محمد دياب غزاوي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د.أيمن عبد العظيم رُحَيِّم
كاتب وناقد أدبي
ليس أدبًا كل نص يخلو من فكر وشعور حتى إن صحَّت لغته واستقام أسلوبه، فالأدب فكر ومعنى يترجمه الأديب إلى قضية، ثم يعرضه النص القضية في علاقات فنية متداخلة، هذه حقيقة الأدب التي لا شك فيها، والأديب ناجح مبدع بالقدر الذي تصل فيه فكرته بينما تصل شعوره، ولا حاجة للقول بأن المعاني تتسرب من خلال المشاعر، أو المشاعر هي التي تتسرب إلى داخلنا عبر المعاني، ولكن الفكرة بينما هي تحلق في فضاء المؤلف فإنها فكرة لا يتم طرحها في العمل الأدبي إلا من خلال العلاقات الفنية في النص الأدبي ووسائل التشكيل الجمالي للأدب.
ولعلك لاحظت في مجموعة (العاشقان والخريف) أن كاتبنا المشغول بالأسلوب التراثي في الكتابة كان يشير أحيانا إلى القضايا الاجتماعية الواقعية في حياتنا اليومية، يلمح كثيرًا أو يصرح في أحيانٍ أخرى قليلة، بينما في مجموعة (العاشقان والخريف) تراه قد سعى إلى تطويع عناصر التشكيل القصصي لصالح المضمون الاجتماعي عبر موازنة بينهما يسير فيها القارئ بين خطين متوازيين، أحدها فني جمالي، وآخر اجتماعي، حتى نصل مع أديبنا إلى مجموعته القصصية الثالثة (قبل فوات الأوان) فنجد البناء الفكري لم يعد يستتر خلف التشكيل الفني الجمالي، ولم يعد يقبل أن يصرح به أو يلمح إليه، وإنما تجده يطل بقوة في صفحات هذه المجموعة، فما كان الكاتب يلقيه من عبارات وجمل، وما كان يبثه من معاني بات يغوص فيه تماما في هذه المجموعة، ولا نعني بذلك غلبة للجانب الفكري على الجانب الفني الجمالي، بل نعني أن الجانب الفكري بات واضحًا صريحًا، وأن الجانب الفني الجمالي على إبداعه وإمتاعه بات وسيلة يوظفها الكاتب في سبيل خدمة الفكرة والقضية.
بات أديبنا في هذه المجموعة مشغولا بواقع الحياة، مهمومًا بمشكلاتها، لم يكتفِ بأخذ شريحة من حياتنا اليومية في كل قصة، بل غاص في واقع هذه الشخصية، وتناول ما يحيط بها بكل وسائله الفنية، فشعرنا أو الأدب يصف المجتمع، أو قل في خدمة المجتمع، يصفه، ويفسره، ويتنبأ له بما سيكون، والكاتب على ذلك معتنٍ بكل عناصر القصة الفنية، يتوسل بها إلى عرض أفكاره، وتجسيم قضاياه، فكأني بعناصر القصة أشخاص يساعدون المؤلف على ما أراد وابتغي، ولقد نجح المؤلف أن يجعلنا نشعر، ولكنها نجح أكثر في أن يجعلنا نفكر، ولم تكن أهم وسائله لجذب القارئ سوى أنه عرض له مشاهد من حياته اليومية، ولو كان أديبنا قد جعل عنوان مجموعته (مشاهد) لما كان قد ابتعد العنوان عن المضمون، ولكنه آثر التمسك بالخيط الفني الجمالي للقصة إلى النهاية، فلا تكون مجموعته إلا مرآة يرى فيها القارئ ما يريده، فإن كان القارئ معنيا بالأدب ودراسا له فسيجد عملا فنيًا مكتمل الأركان، وإن كان قارئًا مهتمًا بالأدب فسيجد في المجموعة قضايا وعناصر جذب وتشويق مقعنة تذهب من الحياة في القصة التي يتذوقها إلى قصة الحياة يعيشها، دائرة من الفعل وردة الفعل، نعم دائرة لا يعرف لها القارئ بداية أو نهاية، تحيله القصة إلى الواقع ويحيله الواقع إلى القصة، دائرة لا يعرف بدايتها أو نهايتها، ولا يذكر عنها شيئًا سوى الوقت الذي بدأ فيه قراءة مجموعة(قبل فوات الأوان).
مجموعة (قبل فوات الأوان) لا تتميز بنشاط فكري بارز للمؤلف يحتاج إلى دراسته على نحو خاص فحسب، ولكنها تمتاز أيضا على مستوى الشكل أن الكاتب أضاف إليها مجموعة من فن (الأقصوصة) وهي فن تقوم عليها قراءتنا النقدية في الفصول التالية.
هذه الدائرة التي ذكرناها من أن الكاتب يأخذ القارئ المتذوق بفكره وشعوره من القصة إلى الحياة، ومن الحياة إلى القصة تركت أثرًا أيضًا على القارئ الناقد، إذ على القارئ الناقد أيضًا أن تتراوح قراءته بين البناء الفكري في القصة وبين عناصرها الفنية، فلا يدري هل عليه أن يستبطن العناصر الفكرية فيستخرج المضمون الفني، أم يتناول العناصر الفنية فيستخرج منها المضمون الفكري، ولا أظن كاتبنا إلا قد نجح في ذلك نجاحًا كبيرًا.
البناء الفكري
1ـ الإهداء:
يشير الإهداء ــ كما هو معلوم ــ إلى شيء في نفس المؤلف، وما أحوجنا إلى معرفة ما في نفس المؤلف حين نكون بصدد دراسة البناء الفكري للنص الأدبي، إذ يقول كاتبنا (إِلَى: أَرْوَاحِنَا الَّتِي نَبْحَثُ عَنْهَا، وَذَوَاتِنَا الَّتِي ضَلَّتْ سَبِيْلَهَا عَلَّنَا نَلْتَقِي) إنه بحث عن المشاعر كما توحي إلينا كلمة الأرواح، وبحث عن الأفكار كما توحي إلينا كلمة الذوات، ولكن العثور على هذا كله رجاء من المؤلف يرجو أن يتحقق كما في قوله (علنا نلتقي) وما أكثر ما يحدث خلال رحلة البحث!، بل ما أغرب ما يقع! لذلك يأتي دور العنوان الذي يطل علينا سريعا متمثلا في ثلاث كلمات (قبل فوات الأوان).
2 ـــ العنوان:
عنوان المجموعة الثالثة لكاتبنا (قبل فوات الأوان) هو نفسه عنوان إحدى قصص المجموعة، كما جرت عادة الكاتب في تسمية مجموعته بعنوان إحدى قصصها، ويبقى السؤال، ما دلالة هذا العنوان على المستويين الفكري والفني؟ وكيف وظف الكاتب هذا العنوان على غلاف مجموعته في تهيئة القارئ؟
يشير العنوان (قبل فوات الأوان) إلى معان ٍ متعددة، قد يكون حدثًا أو شعورًا وقع قبل فوات الأوان، وقد يكون موقفا أو سلوكًا ينبغي لهذه الشخصية أو تلك أن تفعله قبل فوات الأوان، أو لعله دعوة للقارئ بل القراء لفعل موقف معين قبل فوات الأوان، والحقيقة أن كل هذه المعاني التي دلَّ عليها عنوان المجموعة، قد دلت عليها أيضًا عناوين قصص المجموعة، كل منها منفردة في ذلك.
فالقصة الأولى (الرغيف المحروق) تجلى فيها عنوان قبل فوات الأوان، ليدل على اجتهاد قبل فوات الأوان فيضيع الوقت وينفد الخبز، أو قبل أن يموت الناس جوعًا، أو قبل أن ينفق مزيدًا من المال على إحضار خبز غالٍ كان من الممكن أن يحصل عليه بثمن رخيص، وكذلك القصة الثانية(قبل فوات الأوان) ففيه دلالة على الزوجة كان ينبغي لها أن تحسن من سلوكها مع زوجها قبل أن يموت فيغيب عنها، وفيه دعوة إليها للتعقل وتهدأ قبل أن يضل عقلها حزنًا على زوجها، وفيه دعوة للقراء أن يقتنصوا اللحظات الجميلة قبل فوات أوانها، والقصة الثالثة (الحضرة) يشير العنوان إلى ضرورة الإمساك بالقلم قبل فوات الأوان، أو الهرب قبل أن يراه أحد، أما القصة الرابعة فإن العنوان قبل فوات الأوان، يتمثل في سرعة الهروب في خجل قبل أن يكتشف الشاب المعوق تمتع الراوي بصحة جيدة، وكذلك في القصة الخامسة (عزلة) يشير مضمون القصة إلى الانسجام أيضًا مع عنوان المجموعة فمجمل حديث الشخصية لنفسه: كأنه أراد أن يقول كنت فعل كذا وكذا قبل فوات الأوان. وفي السادسة قصة (الفرصة الأخيرة) يتمثل العنوان (قبل فوات الأوان) نصلح قيمنا قبل أن نموت مرضًا باغترابنا ونفارق مجتمعنا، أو نتماسك ونتحد قبل أن نفارق الدنيا جميعًا، وعلى هذا النحو يتجلى مضمون عنوان المجموعة في كل قصص المجموعة مضمونًا وشكلا، فيمثل دعوة من الكاتب لإصلاح القيم أو إصلاح الأسرة أو الإفادة من الوقت، وكلها قيم صالحة من الأهمية إداركها حقا قبل فوات الأوان.
إن صياغة هذا العنوان (قبل فوات الأوان) ودلالة مضمونه وتجليها في كافة قصص المجموعة يشير على المستوى الفكري إلى دعوة حثيثة توجهها القصص، ويرتفع بها صوت الشخصيات إلى إصلاح أنفسنا وأحوالنا بتغيير مواقفنا ومسلكنا في كافة المواقف، أما على المستوى الفني فإنه يجذب القارئ، ويأخذ بتشويقه إلى وقوع حدث هنا أو عدم وقوع حدث هناك، وهذا الطريقة من السرد بذاته تجعل القارئ متأهبًا لما سيحدث.
3 ــ القضايا:
العنصر التالي الذي أقام عليه كاتبنا البناء الفكري لمجموعة (قبل فوات الأوان) هو القضية، قضية تحياها الشخصيات، ومن ثمة يعيشها المجتمع، لذلك فإنَّ كل قصة من قصص المجموعة تبدو ناطقة بقضية بعينها من قضايا المجتمع، بالشكل الذي تبدو فيه شخصيات المجموعة شخصيات المجتمع، وتظهر فيه المجموعة القصصية مجتمعًا صغيرًا يشتمل على صورة مصغرة من شخصيات المجتمع الكبير.
ومما يحسب للمؤلف في طرحه للقضايا أنه جعلنا ندرك وجود كل قضية في لمحة فنية سريعة، بينما جعلنا طوال كل قصة من قصص المجموعة نعيش مع مثال صريح الدلالة على هذه القضية، وهكذا تعد القضية والمثال عليها جزءًا من البناء الفكري في مجموعة (قبل فوات الأوان)
وحين نستعرض الأمثلة على ذلك فإننا مضطرون لاستعراض كل قصص المجموعة، ففي القصة الأولى(الرغيف المحروق) تطل علينا قضية(العدالة الاجتماعية) وبخاصة في توزيع الدعم، وعلى الأخص ما يتصل منه بحاجات الإنسان الأساسية، أما المثال الذي عرض المؤلف من خلاله هذه القضية فكان الصراع من أجل الحصول على رغيف الخبز، وفي القصة الثانية(قبل فوات الأوان) تطل قضية الوفاء الزوجي وما يتصل به من الترابط الأسري، والمثال الذي عرض المؤلف من خلاله هذه القضية كان الزوجة التي تفتقد زوجها بعد موته وتظنه موجودًا ولا تزال تبحث عنه، وفي القصة الثالثة (الحضرة) يستعرض المؤلف قضية اضطراب الأفكار بين أفراد المجتمع، وسعي بعضهم إلى أن يتوارى، ويقدم المؤلف أنموذجًا على هذه القضية بمثال الشخص الذي يحاول الهرب من الذين يعرفونه ويعرفهم، وفي القصة الرابعة(صورة) قضية الاحتفاظ بالذكريات وجدوى ذلك وآثاره، ويستعرضها المؤلف من خلال مثال التقاط الصورة مع العالم. وفي القصة الخامسة(لطف الله) تبرز قضية الرأفة بالناس المحتاجين للرأفة، ويقدمها المؤلف من خلال مثال الشاب الذي لا يريد للمعاق أن يعرف سلامته، وفي القصة السادسة(العزلة) تطل علينا قضية الاغتراب الاجتماعي الناتج عن تبني مجموعة مختلفة من القيم، ويعرضها المؤلف من خلال مثال الصديق الذي ظهرت عليه آثار المرض، والقصة السابعة التي جاء عنوانها الفرصة الأخيرة) تتضح قضية الندم على ضياع الحياة الهانئة مع الحبيبة، فيقدمها الكاتب من خلال شخصية الشخص الباكي على فوات الفرصة، وفي القصة الثامنة( بطاقة هوية) يعلن المؤلف قضية هويتنا وشخصيتنا، بينما المثال الدال عليها سفر المواطن الذي يتم سؤاله عن الهوية، وفي قصة سبق السيف العذل) يرفع المؤلف قضية جدوى التعليم عن بعد بالقياس إلى التعليم التفاعلي، و يقدمها الكاتب من خلال مثال الحوار بين الصبي والجد.
لقد نجح الكاتب في أن يبني قصة على قضية، وأن يستعرض المثال من خلال شخصية قصصية، وكان نجاحه أكبر في كثرة القضايا التي بني عليها أفكاره دون أن يكررها، فأنت عندما تستعرض القضايا تجد كل قصة واحدة تثير قضية واحدة، فكانت تسلسل القصص تسلسلا للقضايا.
تشكل هذه القضايا عند تدوينها متسلسة أحد مستويات البناء الفكري التي أراد المؤلف طرحها في قصص مجموعته، ونستطيع بسهولة أن ندرك أنها قضايا اجتماعية واقعية تشغل تفكير الإنسان العادي في زماننا، بل تأتي على رأس قائمة اهتماماته المعاصرة.
4 ــ القيم
القيم هي الملمح الذي يشير إلى مستوى آخر من مستويات البناء الفكري في مجموعة (قبل فوات الأوان) إنها منظومة القيم المطروحة في سطور هذه المجموعة، من جانب الكاتب أو من جانب شخصيات المجموعة في تفاعلها فيما بينها، وتسبح قصص هذه المجموعة في فضاء واسع من القيم المثالية، غير أن أكثر انتشارا وتكرارا هي ثلاث من قيم.
أـ الدين
يبدو الدين حاضرًا بشكل واضح في أحاديث الشخصيات وأفعالها، كما يبدو حاضرًا في المواقف والأحداث والعبارات، فهذه قصة (الرغيف المحروق) الشخصية تصلي ركعتين عسى أن يرفع الله البلاء والغلاء والوباء والشقاء، وفي جزء آخر من هذه القصية تذهب الشخصية للصلاة في الجامع الكبير، ثم يعبر بحمد الله على حصوله على وظيفة كاتب في المحكمة، ويكثر من عبارة (قدر ولطف) أما عن زوجته فتكثر من نصحه قائلة ( والله ربنا ليحاسبك على ألقيت بقطعة الخبز في سلة القمامة.. اتقِ الله..اتق الله)
وكذلك في قصة (قبل فوات الأوان) يطل الدين بوصفه قيمة سامية في مواقف الزوجة التي اعتادت أن توقظ زوجها لصلاة الفجر، وعندما ظنت زوجها متأخرًا عقب الصلاة ظلت تستغفر وتحوقل حتى تطرد الشيطان الرجيم الذي يوسوس لها. وفي قصة (الحضرة) يشير عنوانها ذاته إلى مستوى من التدين، وإلى جانب ذلك يفسر الرجل في القصة ارتفاع الأصوات من حوله على أنها قرآن المغرب تمهيدًا لرفع الأذان. وكذلك قصة (لطف الله) يقول الكاتب عن الشخص المعاق ( كما أبانت عن بؤس لا يريم، ومقدار غير قليل من عدم التسليم بقضاء الله وقدره، فإنا لله وإنا إليه راجعون).
ب ــ الأخلاق
إن الأخلاق والآداب العامة هي القيمة الثانية التي أكدت عليها قصص مجموعة قبل فوات الأوان بعد الدين، فهذا الرجل الذي ذهب ليشتري الخبر يقول لأحد زملائه في طابور الطابونة: لو سمحت يا ابني ممكن تطفي السيجارة، مش قادر أستحمل، لو سمحت صدري ويوجعني) وهو كلام يدل على مستويين من الأخلاق، أحهما إيجابي يستأذن فيه المدخن بعدم التدخين، والثاني سلبي يدخن فيه الرجل مع عدم مراعاة الناس شعورهم وحالتهم الصحية، وكذلك يستعرض الكاتب فيا لقصة نفسها نماذج أخلاقية مرفوضة، ويؤكد على رفضها من خلال مواقف المشاهدين لها مثل رفض التحرش بالفتاة في الطابور لأنه ضد أخلاقنا، وكذلك رفض سوء معاملة الطبيب للمرضى (رأيت الطبيب المناوب يتعامل مع المرضى كأنه يتعامل مع مجموعة من البهائم)
ويستمر التأكيد على الأخلاق كما في قصة (قبل فوات الأوان) إذ نجد الزوجة التي تعتذر لزوجة، أو ترجو أن تعتذر لزوجها عند مجيئه، فتقول: (سأعتذر له عن كل ما بدر مني أمس وقبل أمس، ولن أغضبك مرة أخرى مهما فعلت معي)
وقد تقوم الأخلاق على شيء من الحياء من سوء الحال، كما نجد في قصة(الحضرة) الرجل الذي يتوارى من الناس من سوء مظهره على الرغم من حسن جوهره، فيقول: (حمدًا لله أنه لم ينظر موضع قدميه وإلى حذائه الممزق). وقد تتمثل الأخلاق في قيمة الأمانة، كما نجد في قصة (صورة) إذ كان الطالب أمينا مع نفسه وأمينا مع أستاذه، بعد احترام منه لرغبة الأستاذ في مسح الصورة من الهاتف، وبالرغم من ذلك يقول(حذفت الصورتين، لكن أنى ذلك، فإن كنت حذفتهما من قطعة حديد فإنَّ أية قوة مهما كانت لن تستطيع أن تمحوهما من بين الضلوع)
وفي قصة (لطف الله) تتمثل الأخلاق في عبارات الشكر والعرفان للعمل الصالح، كما نجد المعاق حين يقول: ( شكرا لك على مساعدتك لي، ما كنت أعرف ما سيحدث لي لولا مساعدتك، أشكرك) والحقيقة أن هذه القصة ــ لطف الله ــ كلها صورة من الأخلاق التي ارتدت ثوب الخجل من نظرة ينظرها المعاق إلى الشخص السليم. أما قصة (العزلة) فالمعنى الأخلاقي واضح في عيادة المريض، والسؤال عن حال الصديق، بل تمثل بعض العبارات حضورا للدين والأخلاق معا كما في قول الصديق لصديقه (قل لي بالله عليك ما لي أراك واجمًا؟).
ج ــ التعليم
التعليم هو إحدى القيم الكبيرة التي تتسلسل منها عناصر منظومة القيم في المجتمع المصري، ولا حاجة لتوضيح ذلك أو تفسيره، فالاهتمام بالتعليم تدل عليه دلائل واضحة في حياته الأسرة المصرية، وتفسير ذلك نظرة المجتمع للتعليم على أنه وسيلة حياة الناس إلى الأفضل، ورسخت قيمة التعليم في المجتمع المصري إلى الحد الذي لا تستطيع فيه ان تفصل بين التعليم وبين الأسرة المصرية.
يطل التعليم في قصص المجموعة إطلالة واضحة، فهو جزء من ممارسات الحياة اليومية للأسرة كما في قصة الرغيف المحروق، إذ يقول الوالد لولده (يابني ذاكر الله يهديك، العلام حلو برضه، وينور العقل) أو أن الوالد يذاكر لأولاده في الصف الثالث الابتدائي وبخاصة الرياضيات. أما في قصة ( قبل فوات الأوان) فيطل التعليم على الأسرة من أكثر من نافذة، بعضها نافذة الحياة اليومية في نشاط الأم اليومي( كيف لي أن أرفع صوتي في حضرتك؟ وكيف لي إذا كنت أنا من يراعي الأولاد في البيت ويتحمل كل مشاكلهم ودروسهم) ويطل على هذه الأسرة من نافذة الاهتمامات (قادتها قدماها إلى حيث كان زوجها يقرأ بعض الكتب المفضلة لديه) أو نافذة طموح ابنها أشرف ( وأشرف في السنة النهائية في الجامعة، ويحاول دائمًا أن يحافظ على تقديره وترتيبه المتقدم الذي تعب حتى وصل إليه بفضل مجهوده ومثابرته، يأمل أن يكون معيدا في الجامعة، يذاكر ليل نهار، لا يكاد ينام إلا قليلا).
وفي قصة(الحضرة) يبرز القلم رمزا للعلم، تحبه شخصية هذا الرجل، ويحب كل أنواع الأقلام، وتعد قصة (صورة) أكثر الأمثلة وضوحا على قيمة التعليم، إذ تدور القصة كلها حول إعجاب الطالب بأستاذه رفيع العلم والأخلاق، يتحدث عنه: (يبدو أمامي أيقونة للعلم، ومثالا للتحقق، وقدوة للباحثين، و وكعبة للمتعلمين، يبدو إداريا محنكا، وقائدًا محققا، وأستاذا بارعا) أما قصة(سحر العيون) فجعلت من العالم التعليمي مسرحًا للأحداث، وذكريات الأحداث، إذ كان هذا الشاب يتحدث بصوت الذكريات عن الجامعة وأيامها، ومدى اهتمامه بحضور مناقشات الماجستير، وما كان إعجابه بالفتاة ذات العينين الجميلتين إلا في ظل اهتماماته العلمية في سنوات دراسته بالجامعة.
وفي قصة (زمن العوالم) يبرز الكاتب
أزمة البطالة ومأساة الواقع من خلاله قوله عن الشخصية
(اعتكف في صومعته بعد تخرجه
في كلية العلوم)، أما أكثر القصص التي تتجلى فيها قيمة التعليم، فهي قصة (سبق
السيف العذل) إذ تمثل نقاشًا حول التعليم، وطرق التدريس.
وهكذا يطل التعليم قيمة بارزة في مجتمعنا، ويطل أيضًا داخل قصص هذه المجموعة بوصفه قيمة شريكة لكل قيمة، فهو فالتعليم يشارك الدين ويشارك الأخلاق، ويتداخل مع قضايا لبطالة والحرية والحب والعمل والعدالة الاجتماعية.
5ــ خطوط الزمن
تعبر خطوط الزمن عن حالة الوعي الزمني التي تندرج تحتها القصة أو المجموعة القصصية، والوعي الزمني جزء من الفكري العام للقصة، وفي مجموعة (قبل فوات الأوان) تجد الوعي بالزمن يتخذ مسارات ثلاثة، هي الماضي والحاضر والمستقبل، فكل قصة من قصص المجموعة لا تطل على زمن معين، ولا تطل علينا من زمن معين، ولكنها تشير إلى أزمة مجتمع أو مجتمع مأزوم في الماضي وفي الحاضر مع خوف من المستقبل، وتستطيع استكشافًا أن ترى ذلك في كل قصة من قصص المجموعة.
يدهشك أن الماضي في كل قصص المجموعة ماضٍ ممتد فاعل في أحداث كل القصص، وهذا الماضي قد يكون جميلا أو لابأس به أو مقبولا، ولكنه في كل الحالات ماض ممتد في تأثيره في الحاضر، كأن شخصيات القصص وأحداثها توقف وعيها عند الماضي حتى أصبحت أفعالهم ناتجة عن هذا الماضي، ثم بات مستقبلهم نتيجة حتمية لهذا الماضي الذي اعتادوا عليه، وهذا في الإجمال يدل على مجتمع يدور في دائرة واحدة مغلقة، لا يبتعد مستقبلها عن حاضرها وماضيها، حتى باتت المشاعر واحدة والأفكار كلها متولدة عن أحداث الماضي.
ففي قصة (الرغيف المحروق) يطل عليك المطلع ( لم يكن صباحا ككل الصباحات التي اعتدت عليها كل جمعة....لأحضر في كل أسبوع أربعين رغيفًا) وكذلك حديثه عن ثلاجته ( هذه الثلاجة التي أكل الدهر عليها وشرب) هذا الماضي الذي اعتاد عليه كان طبيعيًا على الرغم مما به من قسوة حتى أصابه نظامه اختلال طارئ بفعل الراحة الناتجة عن طول النوم، وسعيًا منه لإصلاح الاختلال( في دقيقة ضوئية كنت قد انتهيت من ركعتي الصبح) وعن امتداد معاناته طويلا انتظارا لمستقبل مرجو يقول: (لكن ماذا أفعل؟! إذن لابد من الصبر وعدم الضجر، ثم يقول: (خمس ساعات وأنا أنتظر تلكم اللحظة الحاسمة، لكن فجأة بدأ ينهار حلمي... بينما يأتي صوت القرآن من المسجد الكبير (يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا) وهكذا فإنه لا مستقبل واضح أو لا مستقبل مرجو سوى رجاء عدم الإخلال بما اعتادوا عليه في الماضي، ويعانون منه في حاضرهم، فإذا لم يكن هناك سبيل من المعاناة فليس أقل من انتظامها دون اختلال بها حتى لا يقع ما هو أخطر وأضر.
وفي القصة الثانية (قبل فوات الأوان) نجد الشيء نفسه المطلع يشير إلى ما تم الاعتياد عليه في الماضي (اعتادت أن تلتفت إلى الجانب الأيسر من السرير فتجده دائما بجوارها ملاصقًا لها فيطمئن بالها، كانت هي من تواظب على إيقاظه لصلاة الفجر) وهكذا استمرت العادات اليومية وبخاصة في الاهتمام بالأبناء، من أجل مستقبل واحد مرجو( كي يذهبوا إلى مدارسهم وجامعاتهم ونسير من ثمة عجلة الحياة) وهكذا لا مستقبل يتضح سوى الرغبة في استمرار الحياة كما هي عليه.
وهذا ما نجده في كل قصص المجموعة دون استعراض تفصيلي لكل قصة منفردة، فإذا كان الحاضر في كل قصة هو معاناة مختلفة تمثل امتدادًا للماضي، ولا تتحقق السعادة إلا بالاستقرار والاستمرار فيما اعتدنا عليه في الماضي فإن ثمة معوقات في كل قصة تجعل هذا المستقبل المرجو صعب المنال، حتى مع التواضع في مستواه، والتشبث بكل الوسائل في طلبه.
فقصة الرغيف المحروق لم يتحقق المستقبل ــ رغيف العيش ــ بسبب التأخر في الاستيقاظ، وبسبب سوء النظام عند المخبز، وبسبب حرمان صاحب المخبز الناس من حقهم في الدقيق المدعوم الذي تقدمه لهم الحكومة، وفي قصة (قبل فوات الأوان) لم يتحقق المستقبل المرجو ــ عودة الزوج ــ رمز استقرار الأسرة بسبب موت الزوج، وفي قصة (صورة) لم يتحقق المستقبل المرجو ــ الاحتفاظ بالصورة مع الأستاذ ــ بسبب عدم موافقة الأستاذ على ذلك، وفي قصة (بطاقة هوية) لم يتحقق هدف المرور بسبب عدم وعود بطاقة هوية، إلى آخر قصص المجموعة.
يعكس لنا البناء الفكري في مجموعة (قبل فوات الأوان) قضايا المجتمع المصري من الفقر، والحرية، والدالة الاجتماعية، والهوية، كما يعكس لنا البناء الفكري أيضا عناصر منظومة القيم الكبرى السائدة في المجتمع المصري من الدين إلى الأخلاق إلى التعليم، وكل هذا يعرضه من خلال تأثير للزمن الماضي في حياتنا وتأثيره في مستقبلنا.
لقد صورت لنا مجموعة (قبل فوات الأوان) مجتمعنا مجتمعًا لايزال يحافظ على قيمه ويتسمك بها على الرغم من يعترضه من قضايا وما ينتابه من صعوبات، فعكست لنا القيم تمسك بالناس، أو يمسك بها الناس، وهو ما أراه من حسن صنيع كاتبنا في القصة القصيرة التي يفترض أنها تضيق عن عرض الأبنية الفكرية بالقياس إلى الرواية وسعتها.
التشكيل الفني في مجموعة (قبل فوات الأوان)
1ــ الشخصيات
استند الكاتب في رسم ملامح الشخصيات في مجموعة قبل فوات الأوان على ملمحين، أولهما الواقعية، وثانيهما الإنسانية، فأما الواقعية فكما رأينا في قصة (الرغيف المحروق) موظف الحكومة الذي تخرج في كلية الخدمة الاجتماعية، وعمل موظفًا في إحدى المحاكم، وكذلك كما رأينا في قصة (الكلاب اللي في البيت) موظف الدرجة الثالثة الذي يسكن في المساكن الشعبية، التي أقيمت عقب زلزال 1992 وكذلك في قصة (سحر العيون) شخصية الأكاديمي الباحث في اللغة العربية، أو ما رأيناه في قصة (صورة) في شخصية الطالب والأستاذ العالم.
أما المستوى الإنساني من الشخصيات فجاء دون تسمية أو تحديد للوظيفة أو التعليم، فكان ذلك تأكيدًا للبعد الإنساني، كما وجدنا في شخصية المتعلم المثقف في قصة (الحضرة) أو الزوجة في قصة (قبل فوات الأوان) أو الإنسان الصحيح والإنسان المعاق كما في قصة (لطف الله) أو شخصية النادم كما في قصة (الفرصة الأخيرة) أو شخصية اليائس الذي سعى إلى إسعاد الناس فأصابته الهموم والمتاعب كما رأينا في قصة (العزلة).
والحقيقة أن هذين المستويين من الشخصيات فيما صاغه المؤلف في مجموعته لم نشعر باختلافهما، فالمستوى الإنساني نشعر به جميعا، والمستوي الواقعي نشهده جميعًا من حولنا فبدت كل الشخصيات معروفة لنا.
أما المثير للإعجاب حقًا في شخصيات قصص في هذه المجموعة هو أن المؤلف بنى أكثر قصص المجموعة على شخصية محورية عليها مدار السرد والوصف والفعل في كل القصة ثم تظهر بعدها شخصية ثانوية تقوم بحدث مهم يوازي كل ما فعلته الشخصية المحورية، وهي إحدة استراتيجيات المؤلف في الكتابة السردية، ففي قصة (الرغيف المحروق) نجد أن القصة تدور حول الموظف الباحث عن رغيف الخبز، و وأفكاره ومشاعره وأفعاله وذكرياته وآماله وتطلعاته وتوقعاته، ثم تطل علينا شخصية أخرى هي (صاحب السماحة عامل الطابونة ينظر إلى بحزن وشفقة, وقد أدخل يديه، ثم أخرجهما برغيف واحد, نعم رغيف واحد فقط, إنه هو، وليس غيره، إنه ( الرغيف المحروق) كأني بهذه الشخصية الثانوية فاعلة على قدم المساواة مع الشخصية الرئيسة في القصة، بسبب فعل صغير أو موقف أو تعبير أو شعور، وفي قصة (قبل فوات الأوان) نجد مدار القصة كلها على الزوجة الوفية المخلصة؛ مشاعرها وذكرياتها وأفكارها واستعدادها للاعتذار لزوجها، وسبلها في البحث عن زوجها وإيجاده، ثم تطل علينا شخصية ابنها الطالب الذي يبكي فجأة ويحتضن أمه، فيكون معادلا يفسر لنا كل ما وقع من الزوجة الأم. وكذلك في قصة (الحضرة) تطل علينا الشخصية الرئيسة في حديث التذكر والسرد للمواقف والأحداث في القصة كلها، حتى تطل علينا شخصية أخرى هي شخصية صديقه الذي يعرفه، فيقول: (حمد الله أنهم لم ينظروا إلى مواضع قدميه وإلى حذائه الممزق، أسرع أكثر، فاندفعوا خلفه، رمقه أحدهم، فوقعت عينه على عينه، إنه هو, ما هذا إنه يعرفه جيدا، وإن كانت العلاقة بينهما قد ساءت في الفترة الأخيرة، حتى أضحى الأمر بينهم لا يعدو علاقة عابرة، بل بلا سلام ولا كلام، أطرق الرجل بعد أن تبين شخصيته، ثم تقهقر الوراء إلى حيث كان، ولم ينبس كلاهما ببنت شفة، بينما انصرف صاحبنا مترنحًا في حذائه! فيكون بفعله شخصية معادلة لكل ما سبق، وفي قصة صورة نجد أن مدار القصة كله حول شخصية الطالب وطلبه صورة مع أستاذه أو سعادته بصورة مع أستاذه إلى أن يأتيه اتصال قصير من أستاذه بطلب حذف الصورتين، وهكذا إلى آخر قصص هذه المجموعة.
لقد نجح الكاتب في أن يبني كل قصة على شخصيتين أولاهما تحدثنا أو يحدثنا عنها، وثانيهما شخصية فاعلة على الرغم من قصر دورها وقلة حديثها، ولعل لهذه الاستراتيجية أثرها الكبير في تقليل الحوار إن وجد، أو عدم الحاجة للحوار على نحو شامل، بل يرمز إلى حالة المجتمع من خلال البناء الفكري الذي عرضناه، فشخصيات المجتمع على ما لها ليست فاعلة في شيء من حياتها، وأن الشخصيات التي تحمل هذه القيم وتعيش هذه القضايا ليست منسجمة مع ما تعيشه بفعل أشخاص آخرين.
2ــ الزمان والمكان
لم يؤكد الكاتب صراحة على تحديد الزمان والمكان في كل قصص مجموعته، بل اكتفى في الزمان بما يلزم توضيحه، كزيارة الصديق مساءً، أو السعي إلى المخبز في صباح الجمعة (الرغيف المحروق)، أو بعيد صلاة الفجر كالزوجة التي تنتظر عودة زوجها (قبل فوات الأوان)، أما في غير ذلك فتجد أن الأحداث لم يربطها الكاتب بزمن محدد على وجه الصراحة.
وكذلك المكان، فإن الكاتب لم يذكره صراحة إلا في حالات يلزم فيها ذكر المكان، كالقرية في حالة الموظف الذي يذهب ليشتري اللحم لأبنائه، أو الموظف الذي يسكن في المساكن الشعبية التي أقامتها الدولة بعد الزلزال، فكان تحديد المكان إضافة لوصف الشخصية، وكان خطوات في سبيل الواقعية.
أما القصص أو الأحداث التي لم يؤكد فيها على المكان والزمان فكانت المرتبطة بفضاء إنساني، كمساعدة الشاب العاق، أو الشخص اليائس من مساعدة الناس، أو النادم على موقفه السابقة تجاه حبيبته، وكلها معان في الأفق الإنساني العم الذي لا حاجة لتقييده بمكان أو زمان، كما أن ما تثيره قصص المجموعة من قضايا، وما تقوم عليه من منظومة القيم يمثل مشتركًا إنسانيًا ووطنيًا عامًا لا حاجة لتقييده بحدود الزمان أو المكان.
ويبدو أن المؤلف ــ ضمن خطواته الإبداعية ــ قد استعاض عن الزمان والمكان بالقضايا والقيم، ما جعل الشخصيات معروفة أو شبه معروفة للقارئ، وجعل الأحداث مقبولة أيضًا، بل متوقعة أيضًا في كثير من الأحيان.
3ــ المقدمة
مثلت مقدمات القصص أحد الالتماعات المشوقة في التشكيل الفني لقصص مجموعة (قبل فوات الأوان) والمقدمات على ذلك جاءت متنوعة متعددة بحسب ما يقتضيه موضوع كل قصة، فقصة(الرغيف المحروق) جاءت في مقدمة (التمهيد)، يمهد بها الكاتب ما اعتاد عليه بطل القصة من أحداث، فتقول مقدمتها: (لم يكن صباحا ككل الصباحات التي اعتدت عليها كل جمعة؛ إذ كنت استيقظ في هذا اليوم بالذات قبيل الفجر بقليل, أصلي ركعتين لله؛ عسى أن يرفع عنا الغلاء والوباء, والشقاء والبلاء, ثم أتجه بعدها مباشرة إلى صلاة الفجر في الجامع الكبير, كما يطلقون عليه في قريتنا, قبل أن أنطلق إلى رحلتي المقدسة الأسبوعية, الرحلة إلى الطابونة ( المخبز), التي تبتعد عن منزلي بحدود ستمائة متر تقريبا؛ أذهب إليها علَّني أحصل على أربعين رغيفا, تكفيني أنا وزوجتي وطفليَّ الصغيرين لمدة أسبوع) أما قصة (قبل فوات الأوان) فجاءت في مقدمة (النقيض)، إذ تقول مقدمة القصة( لقد استيقظت متثاقلة بعد ليلة عصيبة, يبدو أنها لم تنم, اعتادت أن تلتفت إلى الجانب الأيسر من السرير فتجده دائما بجوارها, ملاصقا لها, فيطمئن بالها, وتستريح نفسها, وتهدأ روحها, وكانت هي من تواظب على إيقاظه لصلاة الفجر يوميا, ثم لا تلبث بعد ذلك في ممارسة طقوسها الروتينية؛ حيث تقوم ببث الحركة والحيوية في البيت الذي سكن مع الليل, فتوقظ بقية الأفراد, كي يذهبوا إلى مدارسهم وجامعاتهم, وتسير من ثمة عجلة الحياة اليومية.. وها هي الآن تتلفت في غرفتها فلا تجد أحدًا، ما هذا؟ لا تكاد تصدق نفسها، تنادي عليه: أين أنت يا حبيبي؟!)
أما قصة (الحضرة) فجاءت في مطلعها مقدمة (الإثارة والتشويق) فنحن نرى الأعراض، ولا نعرف الأسباب، إذ تقول المقدمة في مطلع القصة (لقد بدأ الآن يتذكر ما حدث رويدا رويدا، استيقظ من نومه مذعورا، لا يكاد يلوي على شيء، فما هذا الذي رأى؟! لم يستدعِ الأمر سوى بضع هنيهات ليحتسي فيها قدح الشاي، وما إن ارتشف رشفة منه حتى تداعت إليه كل التفاصيل الدقيقة، كأنه يراها رأي العين، وها هو يسرد ما حدث له في هذا المنام العجيب، يسرده كما لو عاش نمنماته في عالم الواقع، لقد بدا كما لو كان مريضا يفيق من غيبوبة طويلة بعد عملية جراحية أخذ فيها مخدرا كاملا، وها هو يستعيد كل ما حدث له قبيل حقنه بذلك بالمخدر!)
وفي قصة(صورة) نجد في مطلعها مقدمة (تفسيرية) تبين لنا أسباب إعجاب الطالب بأستاذه، ولماذا هو مولع به، ويتمنى أن يحظى بصورة معه، فيقول مطلعها: كنت أنظر إليه نظرة إكبار وافتخار، يتراءى أمامي أيقونة للعلم، ومثالا للخلق، وقدوة للباحثين، وكعبة للمتعلمين، يبدو إداريا محنكا، وقائدا محققا، وأستاذا بارعا، أراه نجما في السماء، كوكبا مضيئا، وبدرا منيرا، لا يطال إلا في الخيال، له في القلب منزلة أية منزلة، ومكانة لا تضاهيها مكانة، قلما تكون لغيره من الناس؛ ولم لا؟! وهو شخصية مرموقة، له جلال، وجمال، وهيبة، وهيئة، عظيم الشأن، جليل القدر، رفيع الأقوال، مجيد الأفعال.
أما قصة (الفرصة الأخيرة) فتصدرتها مقدمة (الإيجاز والإبهام) إيجاز لنتوقع ما سبق، وإبهام للتشويق، حيث يأتي في مطلع القصة مقدمة تقول: (ثم تركها، والتفت إلى نفسه مخاطبا: لقد أضعت الفرصة الأخيرة من بين يديك أيها المسكين، نعم أضعتها بغبائك، بعدم تقديرك للموقف، برعونتك الهوجاء، بِخَلْقِكَ مبرراتٍ واهية، وأسباب وهمية، لا توجد إلا في عقلك المريض، وروحك الواهنة، وذاتك المضطربة، وحالتك المتوترة)
وفي قصة (بطاقة هوية) استخدم المقدمة(الوصفية) حيث يقول: يا الله، ما هذا؟! التعب يتسرب إلى الجميع، والإنهاك سيد الموقف، شحبت الوجوه، كلت الجسوم، بلغ منا التعب مبلغا كبيرا، قطعنا مسافة طويلة، لكن فما يبدو أنه لا زال أمامنا الكثير والكثير حتى نقطع الرحلة إلى نهايتها، لا بأس، كان هذا شعار الجميع، سنكمل مهما كلفنا الأمر ... تصميم، وإرادة، ويقين لا يتزعزع، وإيمان لا يندفع، كل ذلك يهون في سبيل الغاية التي نرومها.
وفي قصة (الكلاب اللي في البيت) استخدم الكاتب مقدمة (عرض المشكلة) حيث يقول في مطلعها: ماذا يفعل؟! والأولاد يتضورون جوعا؛ فلا يجد قوت يومه إلا بالكاد، طرق كل الأبواب باحثا عن مصدر آخر للدخل، بلا جدوى، حاول بكل السبل، يعمل صاحبنا موظفا في الدرجة الثالثة بإحدى المصالح الحكومية، راتبه لا يتجاوز الألفي جنيه، يدفع ثلثه لإيجار شقة متهالكة في المساكن الشعبية التي أقيمت بعد زلزال 1992، وقد تركتها الحكومة حتى الآن دونما ترميم، وكأنها في انتظار زلزال آخر يأتي عليها، فلربما قضى على سكانها بالجملة، فتستريح)
وقد نجح كاتبنا في استخدام مقدمات تناسب البناء السردي لكل قصة من قصص المجموعة، بل جاءت تمهيدًا ناجحا للقصة في كل الحالات، كما جاءت تناسب البناء الفكري، فالشخص النادم على أخطائه جاءت تناسبه مقدمة الإيجاز الإبهام، والطالب الراغب في صورة مع أستاذه جاءت تناسبه مقدمة التفسير.
4ــ اللغة
تمثل اللغة نسيج السرد الممتد من مطلع القصة الأولى إلى نهاية القصة الأخيرة، وهذا النسيج هو الذي يضمن عنصري التماسك والتسلسل، وقد اعتنى الكاتب بالتشكيل اللغوي اعتناء واضحًا، سواء على مستوى أداء للغة، أو على مستويات التشكيل الفني للغة.
فعلى مستوى الأداء اللغوي نجد أن كل قصص المجموعة ينقسم فيها الأداء اللغوي إلى ثلاثة مستويات، أولهما الراوي، والثاني هو حديث الذات، وثالثها الحوار وهو أقلها، وقد كثر حديث الذات في قصص المجموعة، حتى إننا نجد من الحديث الذاتي للشخصيات فقرات طويلة، على الرغم من وجود الراوي في كثير من قصص المجموعة.
في قصة (الرغيف المحروق) نجد أن الراوي هو الشخصية الرئيسة في القصة، ولغة القصة كلها من نسيجه وصياغته مع إعطاء فرصة لحديث الذات في تعليقه الصامت على سوء أخلاق العامل أو أعمال صاحب المخبز، وقد نجح الكاتب في أن يجعل هذا الكلام ليس في رواية معلنة وإنما في صورة تعليق صامت، كأن المسكوت عنه في الحقيقة مسكوت عنه في القصة أيضًا.
وفي قصة (قبل فوات الأوان) كانت الغلبة لصوت الرواي، الذي أفسح للزوجة مساحات كبيرة من حديث الذات، عبارات كانت تتحدث بها إلى نفسها، ترتب أن تقولها لزوجها الذي تظن مجيئه قريبًا، منها عل سبيل المثال (أصدقك القول، لن أغضبك مرة أخرى، كيف لي أن أرفع صوتي في حضرتك؟! إذا كنتُ أنا من يراعي الأولاد في البيت، ويتحمل كل مشاكلهم، ودروسهم، فأنت تتحمل العبء الأكبر في قِوامة البيت، والبحث عن الحياة، نعم الحياة، فلا حياة لنا بدونك، ولا قيمة لنا من غيرك، صدقني سأبادر أنا وأعتذر إليك)
أما قصة (الفرصة الأخيرة) فيسيطر عليها حديث الذات بشكل كامل، فلا نجد للراوي صوتًا إلا في جملة واحدة، في مطلع المقدمة، وقد نجح الكاتب في هذا النوع من اللغة الذي بدا فيه حديث الشخص لذاته نوعًا من الحوار الصامت، دون أن نشعر أنه حوار تتحدث فيه الشخصية إلى نفسها. وفي قصة لطف الله) نجد الشخصية الرئيسة تعني حديثا لنفس صراحة إذ تقول (نعم، لقد قال كل شيء، وإن لم يقل أي شيء، لم يدر بخلدي أن يحدث كل ذلكم الحوار الصامت الناطق في ثوان معدودات)
وفي قصة (بطاقة هوية) كانت الغلبة لصوت الرواي الذي هو نفسه الشخصية الرئيسة في القصة، وقد نجح الكاتب في صياغة حديث النفس إلى جانب صوت الراوي، أو أن يكون الرواي نفسه الشخصية الرئيسة، فيجمع بين حديث الرواية وحديث النفس، وهو ما سهل اندماج القارئ مع قصص المجموعة بسرعة كبيرة، ولا شك في أن سيطرة حديث النفس جاء متسقًا مع كون الشخصيات في أكثر القصص غير فاعلة وإنما مواجهة لظروف تحيط بها، ما يتناسب مع القضايا التي تثيرها قصص المجموعة.
أما على مستوى التشكيل اللغوي، فقد تعددت مستويات التشكيل اللغوي عند المؤلف، منها اللغة الساخرة كما نجد في قصة(الرغيف المحروق)إذ يقول: وهو كذلك في سن ابني الكبير، وهي فرصة كي أذاكر للاثنين معا، ولا أخفيكم، فهو طفل عنيد، قد أتاه الله من الغباء الكثير، غبي، نعم، غبي جدا، لا يكاد يفقه شيئا في أي شيء، لكنه في النهاية يأتي كل يوم، وكان علي أن أتحمل مشاكساته، وقرفه، وجرعة غبائه التي لا تنتهي، إضافة إلى صراخ والدته المستمر، جارتنا المصون، التي لا تتوقف عن الثرثرة) ووفي القصة نفسها كذلك: (ولا أكذب عليكم إذا قلت لكم أنني وجدت مرة صرصورا صغيرا، أي والله، صرصور ربما ضاقت به السبل، فضلَّ طريقه من إحدى البالوعات داخل الطابونة العتيقة مداعبا الخباز، قافزا في وجهه، ممازحا يديه، حتى استقر به المقام داخل الرغيف المسكين دونما أية مقاومة تذكر منه). وكذلك ما نجده من تأثر بالثقافة الإسلامية عمومًا من ألفاظ، أو عبارات من الحديث الشريف، كما في قصة (الكلاب اللي في البيت) قوله الجزار(سيدنا) وعن الطبخ بأنه الطبخ المبارك، وعن يوم شراء اللحم وطبخه أنه (خير يوم طلعت عليه الشمس).
وقد تكون اللغة تراثية كما نجد في كثير من عبارات قصة (الحضرة) (همَّ أن يتحرك مستعدًا للقفول ومغادرة المكان) أو ( وبعد هذا العناء التقط القلم، لكن بعد أن وقعت الواقعة) أو في قصة (سعادة) غذ يقول في خاتمتها(فأصبحت أتيه بين يديه، وأتراءى فيه وإليه، متوجهًا في محرابه، واقفا على بابه، متمتما باسمه، متوشحا بوسمه، أدعوه دائما أن يهديني الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من المؤمنين، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين!) ومنه يتضح التأثر بأسلوب القرآن الكريم وألفاظه، وقد تكون اللغة التراثية متمثلة في سيطرة السجع والجناس والمحسنات البديعية كما نجد في قصة (سحر العيون)، إذ يقول: بل قد نسيت نفسي واسمي، وأنا تائه في بحر هذي العيون التي تأخذك إلى أعماق سرمدية، وعوالم سحرية، وآفاق خفية، فتسافر معها بعيدًا بعيدًا حيث اللامكان واللازمان!) .
وعلى مستوى ثالث قد تبدو هذه اللغة رمزية، كما رمز بالقلم إلى العلم والثقافة في قصة (الحضرة) ورمز بالرغيف إلى العيش كما في قصة (الرغيف المحروق) ورمز إلى الطبقة المهملة المنسية من أطفال الفقراء بالكلاب، كما في قصة (الكلاب اللي في البيت) ورمز بالبطاقة إلى هويتنا وشخصيتنا وثقافتنا كما في قصة (بطاقة هوية)
وقد ظل المؤلف ينتقل بين لغة الوصف ولغة الحوار، وهو في ذلك يرمز أحيانًا، ويستعين بالتراث أحيانا أخرى، ويستخدم اللغة الناقدة لسلبيات الأخلاق والمجتمع، ويواجه مساوئ الواقع بالسخرية في لغة ساخرة أحيانًا أخرى إلى أن أحكم النسيج اللغوي لقصص مجموعته، فجاء نسيجًا بديعا على المستويين الفني والفكري معًا.
5ــ النهاية
لم تكن النهاية في قصص مجموعة (قبل فوات الأوان) عملا عاديا تقضي به الصياغة الفنية للقصة أو تلزمنا به طبيعة المضمون القصصي، ولكنها جاءت تشير إلى المضمونين الفني والاجتماعي معًا، ونستيطع القول بأن نهايات قصص المجموعة جاءت على نوعين، نهاية يهما القارئ للقصة دون تصريح كامل من المؤلف، ونهاية يشارك القارئ في صياغتها وتوقعها، فليس القارئ على وجه الحقيقة إلا واحدًا من شخصيات هذه المجموعة أو من شخصيات مجتمعها، تحيط به قضاياها الفكرية، وتبني قيمها أسس شخصيته.
ففي قصة (الرغيف المحروق) تطل علينا نهاية
معروفة ربما قبل أن نصل إلى الفقرة الأخيرة من القصة، على الرغم من أن الكاتب لم
يقل أن الموظف لم يستطع الحصول على الخبز، لكنه ألزم نفسه بالصبر كما أمرت الآيات
القرآنية الآتية من المسجد القريب، تلزمه بالصبر، (يأيها الذين آمنوا اصبروا
وصابروا ورابطوا) وهي نهاية لموقف الشخصية، تلزمه بالصبر، وليست نهاية لأزمة رغيف
الخبز والحصول عليه، وفي قصة قبل فوات الأوان) تطالعنا نهاية غير مصرح بها من
الكاتب، لكنها مفهومة من بكاء الابن أشرف واحتضان أمه، فكانت مشاركة القارئ في
توقع النهاية ومعرفتها بموت الأب الزوج، وفي قصة(الحضرة) نهاية مفتوحة إلى هروب
نحو المجهول على الرغم من لقاء شخص يعرفه، وفي قصة (صورة) نهاية يحترمها القارئ
بالتزام الطالب بوعده أستاذه أن يحذف الصورتين، أما في قصة (لطف الله) فهي نهاية
واضحة بعد موقف نبيل، أما نهاية (العزلة) فهي نهاية مفتوحة تتمثل في بكاء متواصل
ليس من المعرف ما بعده، وفي قصة (الفرصة الأخيرة) تأتي النهاية مفتوحة ودعوة
لانتظار النهاية الحقيقية، حتى إن الشخصية تقول لنفسها
)صدقني ليس عليك الآن إلا أن تتشرنق حول روحك المدنفة، وتتقوقع حول
ذاتك وتهيئ لنفسك مصيرها المحتوم ونهايتها المرتقبة)
وفي قصة (بطاقة هوية) تتمثل النهاية في غياب الراوي عن الوعي وهو عاجز عن إثبات هويته، ثم يفيق من غيبوبته عند أذان العصر ليكتشف أن هويته موجودة، لكن صلاحيتها انتهت منذ زمن، وهو في غفلة) وله الغيبوبة ترمز إلى الموت وأذان العصر يرمز إلى البعث بعد الموت، إثارة لكل هذه المعاني دون توضيح صريح هل عادت الشخصية واستخرجت هويتها الجديدة أم لا، ولعل المؤلف قصد من ذلك الإشارة الرمزية إلى أننا لا نستطيع العبور إلى أي مكان أو زمان دون هويتنا، أو أننا أضعنا هويتنا منذ زمن بعيد.
وفي قصة (سحر العيون) نجد النهاية تنويرية، توضح ما غمض على الراوي، وتكشف عنه ما تسبب في هيامه وولعه بصاحبة العيون الجميلة، بل ختم المؤلف النهاية بعبارة تجري مجرى الحكمة (أيها النقاب كم من الآثام ترتكب باسمك) أما قصة (زوبعة في فنجان) فتنتهي بنهاية يعلمها القارئ دون أن يصرح بها المؤلف، إذ القى إلين المؤلف بالمعنى الذي صاغته أذهاننا في ألفاظ عبارة (الحب دائما يغلق نوافذ الضوضاء).
ومما ينبغي لنا التوقف عنده في نهايات قصص مجموعة (قبل فوات الأوان) هو هذه النهاية الدينية، المتمثلة في عبارات دينية، تنتهي قصة (الرغيف المحروق) بـ (بينما يأتي صوت القرآن في المسجد الكبير:" يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا "، ثم ما هي إلا لحظات معدودات، وينطلق صوت المؤذن، معلنا بداية شعائر صلاة الجمعة!! ) وتنتهي قصة الحضرة بعبارة ( الحمد لله أنهم لم ينظروا إلى مواضع قدميه وإلى حذائه الممزق) وتنتهي قصة (صورة) بـ وأنا أتمتم الحمد لله. الحمد لله بينما ترتسم ابتسامة رائقة على محياي، وفي قصة (بطاقة هوية) تنتهي بعبارة( لم أشعر إلا على صوت أذان العصر، وأنا أردد مع المؤذن، محوقلا مستعيذا مسترجعا، ثم أسرعت إلى مكتبي باحثا عن هويتي فوجدتها) ولعل الكاتب يرمز بالمكتب إلى المكتب، ويقصد بالترتيب أنه بعد التمسك بالدين والأخلاق والقيم نجد هويتنا. وتنتهي قصة سعادة بعبارة ( أدعوه دائما أن يهديني الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من المؤمنين غير المغضوب عليهم ولا الضالين)
وأن يستخدم الكاتب هذه العبارات المأثورة سواء من التراث الديني أو التراث الأدبي، فقد يكون هذا رمزًا من الكاتب إلى أن مدار نهايتنا هو العودة إلى تراثنا بكافة أشكاله، وأننا بعد أن نسلك كل طريق نظنه صالحًا سنعود حتمًا إلى تراثنا.
يبقى أننا أمام كاتب أحكم لغته فأحسن توظيفها واستخدامها، وساق من الفكر والشعور والخيال نصوصًا أدبية فريدة تستحق الإعجاب، وجديرة بالتذوق الأدبي والدرس النقدي، ولو قلت إن كل قصة من قصص هذه المجموعة تستحق دراسة مستقلة لكنت غير مبتعد عن الحقيقة، بل مقترب من جوهر العمل الأدبي الخاص الذي يستحق قراءة خاصة.
لقد كان كاتبنا على وعي بثقافة مجتمعه وقضاياه وقيمه، فجاء أدبه تعبيرًا عن هذا المجتمع، رصدًا لقضاياه، تصويرًا لهمومه، ووصفًا لغمومه، وما أحوجنا إلى هذا النوع من الأدب الهادف، الأدب الذي لا ينفصل عن الواقع، ولا يبتعد عن المجتمع، لقد حلق كاتبنا في آفاق أدبية رحيبة، لكنها آفاق تقوم على أساس من استبصار الحياة، لها أقاد راسخة في الواقع، دون إخلال بالتعبير الفني، أو إقلال من التعبير الجمالي.
وخير دليل على ذلك هو أن عناصر التشكيل الفني في قصص مجموعته (قبل فوات الأوان) من الشخصيات والزمان والمكان واللغة والمقدمات والنهايات جاء ت كلها متسقة والبناء الفكري الذي قامت عليه قصص مجموعته، بل أقول إن أدبنا العربي المعاصر في القصة القصيرة لو سار جميعه في هذا الاتجاه، لكان أدبنا أنقى، ولكان مجتمعنا أرقى.
د.أيمن عبد العظيم رُحَيِّم
كاتب وناقد أدبي

تواصلكم يسعدنا