مجلة ديوان العرب

مجلة ديوان العرب الأدبية الثقافية هي مجلة أدبية ثقافية علمية تهتم بكافة أجناس الأدب والعلم وتسعى جاهدة لإلقاء الضوء على جميع المواهب في كافة الاتجاهات

random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

تواصلكم يسعدنا

قراءة نقدية للناقد حامد عبد الحسين لديوان لغة الأمواج للكاتبة نور الدليمي



الإيقاع وطغيان الأنا في ( لغة الأمواج ) للشاعرة نور أحمد الدليمي  
الناقد : حامد عبدالحسين حميدي


(1)الالتزام بعمود الشعر
إنّ دراسة عمود الشعر لدى الشعراء عامة والشواعر خاصة يعدّ - بحدّ ذاته - حالة من المراهنة على تحديد مناطق الاشتغال الذي تميل اليه أغلب الشواعر ، فالنص العمودي وبما يحمله من عناصر عدة منها (1) العاطفة المتقدة ، والتي تتفجر منها المشاعر الإنسانية والأحاسيس من حزن وفرح وسعادة وشقاء وارتياح وغضب .... إلخ . (2) الفكرة الواحدة التي تشكّل ضرورة للبناء الفني في القصيدة ووحدة اتصالية بين مع للأفكار المتنامية داخل النص ذاته . (3) الأسلوب الذي يعكس عن شخصية الشاعر ويميّزه عن بقية الشعراء عن طريق تقنياته المستخدمة أو هو الناتج عن التوليف المعنوي والذي يظهر نوعاً من الانسجام والترتيب في القصيدة . (4) الخيال أو التخييل الذي يمثل حالة الخلق الفني معنى وصورة وتكون مخزونة ومحفوظة في الذاكرة والعقل . (5) النظم ويمثل براعة وقدرة الشاعر في مجانسة اللفظ والمعنى ، وملاءتهما لتأتي القصيدة أكثر جمالاً وتشويقاً .
الشاعرة نور أحمد الدليمي في ديوانها ( لغة الأمواج ) شعر فصحى الملتزم بنظام عمود الشعر ، ونظامه العروضي ، ندرك أنها تمتلك وعياً وحسّاً إيقاعياً متدفقاً ونفساً طويلاً في نظم القصيدة وميولها الى استخدام بحور مثل ( الخبب وتفعيلته فعلن فعلن فعلن فعلن / والكامل متفاعل متفاعلن متفاعلن / والوافر مفاعلتن مفاعلتن فعولن ) ذات الجرس والايحاء الموسيقي الذي ينسجم وفضاء الشاعرة ليكون ارتداداً عروضياً لضربات نبضها ، ومفتح أفقها الحالم من المحسنات البديعية اللفظية والمعنوية وبحسب التناغم الداخلي وحسّها المشحوذ باتقاد مفرط ، فتجربتها مع العروض ناضجة ودالة على حافظة قادرة على محاكاة ما نظمه الشعراء السابقون .

(2) التموسق الإيقاعي
أما في جانب مضمونات نصوصها ، فقد جاءت على وفق المنظومة الحسيّة الإدراكية المصحوبة بالتخييل المفتوح ، فالحبّ والهجران وما يتولّد منهما من ثورات وانفعالات وشكاية وحزن ، وتوصيف لعوالم داخلية وخارجية تحيط بها لتحفّز فيها منظومة الحلم والاغتراب والإغراء والأمنيات ، لأنها كون متكامل لا يعرف الهزيمة ولا الوقوع في فخّ السراب ، هذه المضمونات التي هيّأت لها الشاعرة الدليمي إيقاعاً يتماهى وما تعانيه لتعشّقه بدائرة التفعيلات الوزنية ذات الأثر الكبير في وحدة التناغم والشعور الباطني .
نقرأ لها على بحر الخبب :
إعصارٌ في ضحكة ثغري 
وهدوئي يسبقُ إعصاري 
يا ثورة نارٍ في جسـدي   
بالحبّ ستطفى لي ناري   
يا بحراً أغرق ســاريتي
ورمــــــاها ضــد التيّار 
سأغوص أغوص ولا أدري 
إني علّمــتك أطـــــواري 
وسأغرق فيك ولا أنجو 
وتردّ لنفــــسي أدواري ... ص6-7/ تنغيمات أنثى البحر
الشاعرة الدليمي تحاول أن تخلق نوعاً من المتوازنات التقابلية / المحسوسة ضمن تراكيب مستخدمة في هذا النص ولعل مردّ ذلك عائد لحالاتها النفسية التي وققت تحت وطأة الضغط الذاتي  :
إعصاء ____________ هدوئي 
يا ثورة نار __________ ستطفي في ناري 
يا بحراً أغرق ___________ رماها
وسأغرق فيك _______ ترد لنفسي 
ثم نلحظ كمية هذا الضغط  في  ( إعصار – إعصاري – ثورة نار – ناري -  بحراً أغرق - رماها – سأغرق – ولا أنجو ) من أجل تحريك السكون العام الذي خيّم على طبيعتها الأنثوية ، هي شاعرة / امرأة هادئة جداً ممتلئة بالحبّ والعطاء ، لكنّ هذا لا يعني أنها لم تكُ بحجم ما يحفها من ضجيج وهوس صاخب ، بالعكس إنها المحرّك لهذه الانفعالات والمشاعر النارية التي انطلقت بثورة ملتهبة من خلال أسلوب النداء بــ يا النداء ( يا ثورة / يا بحراً ) والتنفيس الذي جاء من خلال حرف السين في( سأغوص / سأغرق ) الذي منح المفردة جرساً متموسقاً ، فبحر الخبب كان مناسباً مع أنفاس الشاعرة وضرباتها المتسارعة ، فهو بحر يتوافق وسرعة العواطف المتفجّرة ذاتياً .

(3)طغيان الأنا الأنثوية 
بينما في قصيدة (أنثى من دموع الجليد) المنظومة على البحر الوافر :
ولكنّي أنا أنثى جنـــــــــوني 
لهيبٌ في أحاسيسي وحدسي 
عـــــــــــلامَ تحبني وأنا برودٌ 
وقد غابت من العينين شمسي 
أتهوانـــــــــي لأنك ذئــب ليل 
وفيك تضرّمت أشواق حسّي 
أنا في الحـــبِّ كونٌ من نقاء ٍ
وبي روحٌ محلـــــقة بنفسي ... ص 26.

تبرز في هذا المقطع ظاهرة غلو الأنا الأنثوية وطغيانها ، بسبب مجهولية المشاعر وكمية اللامبالاة ، وربما تقلّبها وعدم وضوحها من قبل الآخر ،  وتجاهل ثورة العاطفة المتقدة / المسكوت عنه من خلال وصف الآخر ( كسلى / غير مغرية / بلا إحساس / برودة المشاعر ) هذا التقليل الذي حفّز لدى الدليمي أن تتصاعد في غلوائها وثورتها الذاتية ، فهي أنثى تمتلك الكثير من ( الجنون الأنثوي / والمشاعر الملتهبة / والحدس والنظرة الثاقبة ) بعدها تطلق ( عـــــــــــلامَ تحبني ) تساؤلاً استنكارياً مباشراً لتكشف المسكوت عنه ، فإذا كانت ذات مشاعر باردة فلماذا هذا التعلّق (أتهوانـــــــــي) بطريقة استفزازية (لأنك ذئــب ليل) التشبيه الذي حمل دلالة الخسّة والدناءة ، حيث تمّ حذف أداة التشبيه وعدم التصريح بالمشبه به ، بينما قابلته بـ ( الأنا ) الأنثوية الثائرة (أنا في الحـــبِّ كونٌ من نقاءٍ) الذي تمثل فيه الطهارة والعفّ’ ونقاس النفس وسموها وترفّعها عن كلّ مبتذلٍ ، فـ أنا (المشبّه) و كون (المشبه به) ونقاء (وجه التشبيه) وأما أداة التشبيه فمحذوفة ، وما بين تشبيه الآخر وأناها بون شاسع .
هذا الاحتراق الذاتي الذي جاء منساباً على وفق علائقية مترابطة ضمن متخيلات صنعتها الشاعرة ، وبما يتضمنه من إيقاع متنامي يتصاعد ويتنازل وعلى وفق حالتها النفسية لينسجم وبحر الخبب مرة والوافر أخرى مركباً استطاعت أن تصل من خلاله الى مرفأ الأمنيات المتعلّقة بأطرافها .
الهوامش 
............
لغة الأمواج – ديوان شعر فصحى / نور أحمد الدليمي ، ديوان العرب للنشر والتوزيع – مصر / ط 1، 2020 .

عن الكاتب

فادية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

مجلة ديوان العرب