![]() |
ماذا عن مكانة المرأة المصرية والدولية في القضاء؟
كتبت / يسرا محمد مسعود
نالت المرأة المصرية مؤخراً مكانة هامة في ساحات قضاء مجلس الدولة المصري وأصبحت متساوية مع الرجل في الحقوق والواجبات واعتلت المنصة وكانت هذه هي بداية لتمكين المرأة في هذا المجال الهام الذي يخدم الفرد والمجتمع ويحكم في قضايا الأفراد مما يتطلب منها النظر بكل جدية ونزاهة في القضايا المعروضة عليها والتي تتولى النظر والحكم فيها، وإذا نظرنا قديماً لوضع المرأة في الإسلام فلم تقتصر مكانة المرأة على حقيقة أن أول مؤمنة في الإسلام هي السيدة خديجة "رضي الله عنها" وأن أول شهيدة هي السيدة سمية "رضي الله عنها" وأن أول مهاجرة هي السيدة رقية مع زوجها عثمان" رضي الله عنهما" ،بل تعدت ذلك لتكون أول قاضية في الإسلام وهي السيدة "أم الشفاء"، وفي العصر الفرعوني كانت أول امرأة تولت منصب القضاء هي "نبت"قبل 3 آلاف عام ويعني اسمها الربة مثل رب البيت ،كما تولت منصب رئيس المحكمة الاقتصادية في الأسرة السادسة .
.ولكن ما هي الآراء الفقهية المختلفة حول تولي المرأة القضاء ؟ وما أبرز التجارب المصرية والدولية لهذه المهنة التي ترتبط بها مصالح الأفراد؟ وما رأي الدستور المصري والقانون المصري فيما يتعلق بالمساواة بين الرجل والمرأة ؟وهل نجحت المرأة المصرية في القيام بأدوارها من خلال هذه المهنة ؟هذا ما سوف يجيب عليه الموضوع التالى :
ا- آراء بعض الدراسات حول تولي المرأة القضاء
فردود الفعل تنقسم بين التأييد والمعارضة ،وخاصة فيما يتعلق بآراء الفقهاء وكذلك البحوث والدراسات المختلفة ،فقرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي أكد إنها مسألة فيها خلاف ،فيرجح الدكتور محمد محمد الشلش في إحدى دراساته بالجامعة الأردنية جواز تولي المرأة مهنة القضاء وخاصة فيما يتعلق بالأموال والأحوال الشخصية وليس في الحدود والقصاص وعلى أن ينظر للأمر في ضوء وضع المرأة القاضية ومصلحة المجتمع وحاجاته ومدى تقبله لهذا الأمر ولكن من خلال عدة شروط وهي:
الأول ،ألا تتولى المرأة القضاء إلا بعد أن تنضج وتبلغ السن الذي تيأس فيه من المحيض مبرراً ذلك حتى لا تكون عرضة للاضطرابات النفسية والمتاعب الجسمانية التي تصاحب الحيض والحمل ،الثاني ، وهو شرط وجود مجتمع متطور اجتماعياً حتي يسمح له بقبول هذا الأمر .أما الثالث ، فيشترط وجود الحاجة إلى تقليد المرأة منصب القاضي والرابع ، يتعلق بضرورة اللاتزام باللباس الشرعي وقواعد الخروج الشرعية .
وكذلك توصلت الدكتورة روحية مصطفى أحمد الجنش ،المدرس بقسم الفقه ،كلية الدراسات الإسلامية والعربية ،جامعة الأزهر،فرع بنات القاهرة إلى رجحان مذهب الحنفية في جواز تولي المرأة القضاء في الأمور المدنية وليس في الأمور الخاصة بالحدود والجنايات ،خاصة جرائم العرض ،لأن إجراء تحقيق في هذه الجرائم يقتضى الدخول في تفاصيل كثيرة لتوضيح أركان الجريمة والوقوف على وقوعها وإثباتها وإجراء المعاينات والمناظرات والاستماع إلى وصف الشهود وفي هذه الحالة يؤدي سماعها إلى تفاصيل هذه الجريمة إلى إيذاء مشاعرها وجرح أنوثتها وخدش حيائها .
2-المذاهب المؤيدة والمذاهب المعارضة لتولي المرأة القضاء
فلقد اختلف الفقهاء فيما يتعلق تولب المرأة القضاء وذلك من خلال أربعة آراء:
فالرأي الأول يمنع تولي المرأة القضاء مطلقاً وهو مذهب جمهور الفقهاء .والرأي الثاني يتبنى جواز تولي المرأة المرأة القضاء مطلقاً وهو رأي الحسن البصري وابن حزم وابن جرير والخوارج.والرأي الثالث يؤكد على جواز تولب المرأة القضاء في غير الحدود والقصاص وهو مذهب الحنفية .أما الرأي الرابع فيرتبط بذهاب بعض الشافعية إلى إنه لو ولي سلطان ذو شوكة امرأة القضاء نفذ قضاؤها ،وعلل ذلك "حتى لا تتعطل مصالح الناس".
ورغم اختلاف الآراء ما بين مؤيدة ومعارضة إلا أن المرأة المصرية وكذلك المرأة على مستوى العالم العربي استطاعت أن تقتحم هذا المجال جنباً إلى جنب بجوار الرجل وكانت أبرز النماذج المصرية والدولية هي:
أ-النماذج المصرية لتولي المرأة القضاء :
فكانت هيئة النيابة الإدارية من أوائل الهيئات التي تقبل تعيين السيدات ،وفي انتصار جديد للمرأة وافق المجلس الأعلى للقضاء في عهد الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى على طلب المستشار النائب العام بنقل 11 قاضية للعمل بالنيابة العامة بدرجاتهن ،للعام القضائي 2021 -2022 .
ولتمكين السيدات من العمل القضائي وللمرة الأولى في تاريخ "مجلس الدولة المصري " جلست القاضيات على منصة المحكمة وكانت القاضية "رضوى حلمى أحمد" هي أول قاضية تجلس على المنصة بمجلس الدولة في عام 2021، بعد أن كان يرفض تعيين الإناث قاضيات فيه ،حتى تم تعيين 98 قاضية بالنقل من هيئتي النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة في الثالث من أكتوبر عام 2021 ،ففي مارس من العام الماضى ،أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي توجيهاً لوزير العدل بالاستعانة بالسيدات كعضوات في مجلس الدولة والنيابة العامة بمناسبة اليوم العالمي للمرأة .وأصبحت بذلك شريكاً للرجل لتحقيق العدالة بالمجلس .وقد فتح مجلس الدولة المصري للمرة الأولى في تاريخه الباب أمام خريجات كليات الحقوق والشريعة والقانون والشرطة للتقدم للتعيين كقاضيات مثلهم مثل الخريجين من الذكور.
وتجدر الإشارة ،إنه قد اعتلت المستشارة "سالي الصعيدس"منصة القضاء الجنائى ،لأول مرة في تاريخ القضاء المصرى كأول قاضية جنائية ، حيث انتقلت من محاكم الأسرة والقضاء المدني إلى عالم الجرائم والجنايات في 17 فبراير 2009، ونظرت في 92 قضية ،بعد أن كانت تعمل بالنيابة الإدارية حتى عام 2007.ولا يمكن نسيان إنه في 22 يناير 2003صدر قرار جمهورى ،بتعيين أول سيدة في السلك القضائي بالمحكمة الدستورية العليا بمصر ،وهي المستشارة "تهاني الجبالي" ،كنائب رئيس المحكمة الدستورية العليا.ومن أبرز النماذج أيضاً للمرأة القاضية تبرز القاضية "غادة الشهاوي" وهي أول سيدة تتقلد منصب مساعد وزير العدل عام 2015 فيما يتعلق بحقوق المرأة والطفل.
ب-النماذج العربية والأجنبية لتولي المرأة القضاء:
ولقد أثبتت أيضاً المرأة في كثير من البلدان جدارتها وقدرتها على تحمل المسؤولية وأن بإمكانها القيام بوظيفة القضاء وأن المرأة لا ينقصها الذكاء والفطنة لتصبح قاضية وإن العادات والتقاليد هي التي غيبت المرأة عن هذه الوظيفة في الفترات الماضية وإنها عندما سمح لها بالرجوع ومزاولة المهنة أبدعت ومن أبرز هذه النماذج الدولية تظهر :
فتظهر العديد من النماذج العربية كالمستشارة سعادة الدجانى كأول امرأة تصل قمة القضاء في فلسطين ،فقد أثبتت إنها تستحق أن تكون أول قاضية في محكمة الصلح عام 1973، وكذلك القاضية صبيحة جلب كأول قاضية في إدلب بسوريا عام 1978 وكانت تغريد حكمت أول قاضية في الأردن عام 1996،كما وصلت البحرينية منى جاسم محمد الكوارى في عام 2002 لتكون أول قاضية في البحرين والخليج ،وكذلك المرأة القطرية وصلت لمنصب القضاء عام 2010 وهي السيدة حصة أحمد عبد الله صالح السليطي وهي قاضية بالمحاكم الإبتدائية ،وكانت رافيا أرشد هي أول قاضية محجبة في بريطانيا .
وعن النماذج الأجنبية ،كانت شارلوت بكينيون لاجارد(Charlotte Béquignon-Lagarde) أول سيدة قاضية فرنسية عام 1946، وتعد "ساندرا أوكونور" أول سيدة قاضية بالمحكمة العليا للولايات المتحدة الأمريكية، التي عينها الرئيس الجمهوري رونالد ريغان في أعلى محكمة في الولايات المتحدة في عام 1981، واستقالت في عام 2005 لرعاية زوجها، الذي كان يعاني من مرض الزهايمر.
وتأكيدا لما سبق ،فيؤيد القانون المصري والدستور المصرى حق المرأة في العمل كقاضية من خلال مبدأ المساواة بين الجنسين في العمل :
فتؤكد الدساتيرالمصرية على المساواه بين المواطنين دون تفرقة بحسب الجنس ولذلك لا تمييز بين الرجل والمرأة في حق العمل وكان دستور 1971 يقرر حق العمل للمواطنين جميعاً على أساس المساواة بين الجنسين،وإن الدستور كان يلزم الدولة بأن تتخذ التدابير التي يكون من شأنها مساعدة المرأة على الإنخراط في مجالات العمل المختلفة والتوفيق بين واجبتها نحو الأسرة وعملها في المجتمع .أما صور التمييز التي نرصدها ضد المرأة في مجالات العمل أو الوظيفة العامة فلا سند لها في القانون ،بل هي ممارسات واقعية تفسرها ثقافة المجتمع وتتبنى التمييز ضد المرأة في مجالات العمل ،كما أكدت المواثيق الدولية على حق المرأة في العمل على أساس المساواة الكاملة مع الرجل ،كما ركزت اتفاقيات منظمة العمل الدولية على حقوق المرأة العاملة ومساواتها بالرجل في الأجور وفي الفرص والمعاملة.
وفي الختام ،يجب التأكيد على أهمية المرأة ودورها في المجتمع ،حيث أثبتت قدرتها على العمل كقاضية جنباً إلى جنب بجوار الرجل مع الحفاظ على العادات والتقاليد والحدود الشرعية ،برغم بعض الآراء المعارضة التي ترى في المرأة كائن ضعيف له خصائص جسمانية مختلفة عن الرجل ،حيث إن وجود هذه الأمثلة العديدة للمرأة ككقاضية على مستوى مصر والعالم العربي والأجنبي وخاصة القضاء الفرنسي إنما يدل على نجاحها في سعيها لتولي وظيفة القضاء وغيرها من الوظائف المؤثرة فى المجتمع ولكن فى النهاية أرى إن عمل المرأة ككقاضية من الأفضل أن يرتكز على القضايا الأسرية وقضايا الأحوال الشخصية بعيداً عن القضاء الجنائى ،أس في الأمور المدنية وليس في الأمور الخاصة بالحدود والجنايات لما تتصف به المرأة من خصائص وعواطف ومشاعر مرهفة قد تؤثر على تحقيق العدالة .


تواصلكم يسعدنا