مجلة ديوان العرب

مجلة ديوان العرب الأدبية الثقافية هي مجلة أدبية ثقافية علمية تهتم بكافة أجناس الأدب والعلم وتسعى جاهدة لإلقاء الضوء على جميع المواهب في كافة الاتجاهات

random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...

تواصلكم يسعدنا

قراءة نقدية في كتاب تَعَاشِيبُ اللُّغةِ فِي مِنْطَقةِ عَسير للأستاذ محمد بن أحمد معبر

 





قراءة نقدية في كتاب
تَعَاشِيبُ اللُّغةِ فِي مِنْطَقةِ عَسير
للأستاذ/ محمد بن أحمد معبر


مكتبة الحكمي الرياض 160ص. ط1: 1437هــ ط2: 1442هـ 






الدكتور

أيمن عبد العظيم رُحَيِّم

كاتب وناقد أدبي



         لا يستطيع المتتبع للإصدارات الحديثة في علوم اللغة أن يغض الطرف عن كتاب (تعاشيب اللغة في منطقة عسير) الذي أصدره محمد بن أحمد معبِّرِ سنة 1442هـ ولا يخرج هذا الكتاب عن دائرة اهتمام مؤلفه بمنطقة عسير، تاريخًا وأدبًا وثقافة ومجتمعًا، ما يدل على موسوعية ثقافته وكتابته، وها هو الآن يوجه بحوثه إلى لغة إقليم عسير من خلال هذه الدراسة ــ تعاشيب اللغة ــ التي نتناولها بالقراءة والتحليل.


             تتقاسم الكتاب دوائر علمية متعددة، فهو من حيث المضمون يقع في دائرة اختصاص علوم اللهجات واللغات الدارجة، و من حيث تصنيفه وتبويبه يقع في دائرة اختصاص علوم المعاجم والدلالة، ولا شك في أنه إلى جانب ذلك يتضمن كثيرًا من الظواهر البلاغية والأدبية والتاريخية كونه يبحث في لغة مجتمع تتطور بتطور أهلها .




أــ مادة الكتاب: 


              في المقدمة القصيرة التي افتتح بها المؤلف كتابه أشار إلى طريقته في جمع المادة اللغوية التي بنى عليها كتابه، فقد جمعها من اللقاءات والأحاديث مع الزملاء والجيران، ولم يقم بتجوال في المحافظات في منطقة عسير، ما يدل على أنه جمع مادته في سياقات طبيعية، ولعلها طريقة صحيحة في تسجيل اللغة الدارجة المراد بحثها، دون أن يشعر المتحدثون أنهم في إطار بحث لغوي أو دراسة علمية تدقق في مفرداتهم، وتحقق في أسلوبهم اللغوي، ولا عيب في هذه الطريقة سوى حاجتها إلى وقت طويل في تدوين المادة اللغوية قبل بحثها وتحليلها ثم دراستها دراسة معجمية ودلالية، ولعل هذا ما كان يقصده الكاتب حين ذكر أنه (بدأ في تقييد الألفاظ التي يستخدمها الناس في منطقة عسير منذ عام   1408  هـ ) ما يدل على أنه لم يستغرق الوقت الطويل فحسب في جمع الالفاظ، ولكنه استغرق أيضا وقتا حتى يتحقق من كونها ألفاظًا مستخدمة في الحياة اليومية للسكان في منطقة عسير.

              وقد اعتمد الكاتب على عينة من سكان عسير، فليس من الميسور أن يذهب إلى كل محافظات عسير وقراها، وإنما اعتمد على عينة دالة على المجموعة البشرية في منطقة عسير، تقيم في مدينتي أبها وخميس مشيط، للعمل، أو للدراسة، أو السكن، وهي كل العلاقات التي تسمح للمؤلف بملاحظة الاستخدام اللغوي في كافة مجالات الحياة اليومية.


             إنَّ طريقة جمع المادة اللغوية وما تدل عليه من دلالاتٍ توقفنا عندها وأشرْنَا إليها، تعطي مزية أخرى للكتاب، وهي مزية تقديم دراسة لغوية معاصرة، ولا نقصد بذلك دراسات منشورة في الفترة المعاصرة فحسب، وإنما نقصد قيامها على مجموعة بشرية معاصرة، و مادة لغوية معاصرة، ثم آليات بحث وتحليل معاصرة، وما أحوجنا جميعًا إلى مثل هذه الدراسات المعاصرة  التي ترصد لغتنا في مرحل تطورها، وتوثق ما عليه حالها في زماننا، لتقدم بذلك مادة جاهزة للبحث  التاريخي إذا أردتنا تتبع لغتنا، أو قـُلْ مادة جاهزة للبحث المقارن إن شئنا مقارنتها بلهجات محلية أخرى لنقف على الفروق بين اللهجات العربية المعاصرة، إذ إن هذا كله يبدأ بالمادة اللغوية التي يتم جمعها في ظروف طبيعية دالة على المجتمع وثقافته، ثم البدء في دراستها وتحليلها.





ب ــ موضوع الكتاب: 


            إنَّ الألفاظ العربية الدراجة في الحياة اليومية في منطقة عسير هي موضوع الكتاب، ويبدو إن الخطوة التالية التي أجراها الكاتب لعملية جمع المادة اللغوية، هي الانتخاب والانتقاء، فيبدو أنه استثنى ــ من بين مادة كبيرة ــ  الألفاظ العربية الشائعة المستخدمة في عسير وغيرها من المناطق من أن تكون موضوعا لكتابه، ومن ثم فقد اختار الكاتب للألفاظ المغرقة في المحلية في عسير أن تكون موضوع كتابه، ومحط نظره واهتمامه، وموضع بحثه وتحليله ودراسته.


           وإذا كانت الألفاظ المستخدمة في عسير تمثل الموضوع المدون في هذا الكتاب، فإن هناك موضوعًا آخر للكتاب غيرَ مدون، ولم يذكره الكاتب تصريحًا، وإنما يدركه القارئ تلميحًا، وهو ثقافة عسير ومجتمعها، فكيف للغة أن تنفصل عن الثقافة؟، بل اللغة عماد الثقافة، ولذلك فإن الكاتب اتخذ من اللغة سبيلًا قويًا إلى ثقافة المجتمع، فلم تكن الألفاظ عنده إلا وسيلة لعرض مجتمع هذه الألفاظ، وثقافة المتفوهين بهذه الألفاظ، لذلك يكثر في الكتاب أن يوضح المؤلف لقارئه أن هذه اللفظة زراعية أو صناعية أو تجارية أو غيرها، وعلى هذا النحو يبدو إن ابن معبِّرِ الذي يحب عسير،  ويكتب عنها، ويكتب إليها في آن واحد ، يبدو إنه قد جعل من اللغة زاوية أخرى ينظر من خلالها القارئ إلى عسير.

ج ـــ أهداف الكتاب: 


          إذا أردتَ أن تحددَ أهداف كتاب (تعاشيب اللغة) فإنك تستطيع متعجلا أن تصوغ أهدافًا علمية تطبيقية متعددة، كقولك إن أهدافه هي جمع الألفاظ العامية في عسير، و تصنيف هذه الألفاظ  تصنيفًا معجميًا، ثم بحث هذه الألفاظ وتسجيل ما يتصل بها من ظواهر أدبية وبلاغية، وإثبات الأصول الفصحى لهذه الألفاظ العربية التي لا يزال الناس يستخدمونها، و كلها بالطبع أهداف صحيحة، سعى إليها المؤلف، ويسعى إليها كل مؤلف باحثٍ في  علوم اللغة، ولكن ابن معبِّرِ يصرح بهدف جديد، أو قُـل إنه يحذر من أن  يحقق كتابه هدفًا غيرَ مرغوب فيه، فيقول في كتابه صــ 6 ( إنني لا أحمل لواء الدعوة إلى العامية وتمكينها من العبث بالفصحى، بل أسعى إلى تفصيح العامية، بل أحث على اجتناب الكلمات العامية)  لنعرف أن عاشق عسير ينتصر للفصحى  ويدافع عنها، وأن من ضمن أهدافه غير المعلنة أنه يريد الارتقاء بذوق القارئ وتذوقه، ويضع أمامه لغته لينهل منها ثقافته.


د ـــ منهج الكتاب: 

             اتبع ابن معبِّرِ في دراسته منهجًا من مناهج البحث اللغوي يناسب موضوع بحثه و يحقق أهداف كتابه، والتزم به طوال صفحات كتابه، فلم يختل منهجه، ولم يضطرب أسلوبه، وقد بنى منهجه على إجراءات و آليات بحثية منتظمة، إذ يقوم منهجه على العناصر الآتية:


1ــ جمع المادة اللغوية من مجتمعها في ظروف طبيعية.

2ــ ضبط الألفاظ شكلا.

3ــ تبويب الألفاظ وتصنيفها حسب حروف المعجم.

4ــ توضيح معاني الألفاظ وسياقات استخدامها في مجتمع منطقة عسير.

5ــ رد الألفاظ إلى أصولها الفصحى في معاجم اللغة العربية.

6ــ ذكر ما يرتبط بها من ظواهر لغوية وبلاغية وأدبية.


           وهو منهج تقوم فيه كل خطوة على سابقتها، ولقد حقق هذا المنهج موسوعية المعرفة باللفظة من جانب، ثم كان في الوقت نفسه نافذة يطل منها القارئ على كافة الاستخدامات اللغوية والحياتية والأدبية للكلمة.


هــ نموذج من كتاب تعاشيب اللغة: 


وحيث إنَّ كل المواد اللغوية في كتاب (تعاشيب اللغة) هي نماذج صالحة للاستدلال بها على منهج ابن معبِّرِ في كتابه، فإننا نختار مادة واحدة نموذجا نقدمه للقارئ، وهي مادة(حمس)، إذ يقول ابن معبِّرِ، في صـــ 40:

  •  حمس:


             الحَمَسُ: الغضب، حمس فلان على فلان أي غضب عليه، وعند ابن السكيت ( يقال رجلٌ حَمِسٌ إذا اشتدَّ غضبه، واشتد قتاله، والحمس شدة الغضب() وعند ابن منظور)  حمس الأمر حمسًا: اشتد، وتحامس القوم تحامسًا وحماسًا، تشادوا واقتتلوا)() وعند الأصمعي في اشتقاق الأسماء: ( الحمسُ: حمِسَ حمسًا، إذا اشتد غضبه، وقتاله في حرب وغضب، وقال بعض بني سعد():

فلا أمْشِي الضَّراءَ إذا ادَّرَانِي


ومِثْلِي لُزَّ بالحَمْسِ الرَّبِيسِ


          وهكذا فإن ابن معبِّرِ يتوسل بكل كتاب من مصادر اللغة والأدب في سبيل شرحه لهذه الألفاظ التي تختص بها لهجة عسير.



و ــ مصادر الكتاب:


           تدل المصادر التي يعود إليها مؤلف أي كتاب ــ أول ما تدل ــ على الإطار الفكري الذي انطلق منه في صياغة موضوعه، إذ لايبتعد الكتاب الجديد عن أن يكون ابنًا وليدًا لما سبقه من الكتب في هذا الموضوع أو ذاك، كما أن مصادر أي كتاب تدل أيضًا على المرجعيات التي يدعم بها المؤلف فكرته، ويقوي بها حجته، ويشد بها من أزر عبارته.

         ومصادر كتاب تعاشيب اللغة جاءت متناسبة مع الأهداف المرجوة من الكتاب، بل جاءت تؤكد الإطار النظري الذي انطلق منه المؤلف في كتابه، فما كانت ثقافته اللغوية بمصادر التراث العربي إلا أصلا فريدًا أراد المؤلف أن يبني على مثاله كتابًا جديدًا، و كما أن مصادر تراثنا القديم تشمل اللغة والأدب والمجتمع والبلاغة والتاريخ وغيرها في كتب موسوعية قديمة، فإن ابن معبِّرِ فعل الفكرة نفسها، وصنع الشيء نفسه، وقدمه للمواطن في عسير في ثوب عصري وأسلوب يسهل عليه قراءته و استيعابه، ومن أجل تحقيق أهداف الكتاب عاد المؤلف إلى نوعين من الكتب، أولهما مصادر التراث العربي، وبخاصة المصادر اللغوية، وثانيهما المراجع العربية التي تقوم على هذه المصادر.


1ــ مصادر التراث العربي:


           وتتعدد مصادر التراث العربي التي عاد إليها في كتابه، مثل المصادر اللغوية، وأهمها: اشتقاق الأسماء للأصمعي(ت216هـ) والبارع للقالي (ت 356هـ )  والقاموس المحيط للفيروزآبادي (ت 817هـ) وغيرها، وكذلك المصادر البلاغية مثل أساس البلاغة للزمخشري (ت 538هـ) وغيرها من مصادر التراث العربي.


2ــ المراجع العربية: 

          وقد اعتمد على المراجع العربية اللغوية التي قامت على مناهج بحث علمية مؤكدة في بحث الظواهر اللغوية مثل: كتاب (الأصالة العربية في لهجات الخليج) للدكتور عبد العزيز مطر، وكتاب التطور اللغوي؛ مظاهره وعلله وقوانينه، للدكتور رمضان عبد التواب، وكتاب (في اللهجات العربية) للدكتور إبراهيم أنيس.


           وحيث إنَّ اهتمام القارئ العربي بالكتب اللغوية قليل بالقياس إلى اهتمامه بالكتب الأدبية، فإنَّ كتاب (تعاشيب اللغة) فرصة سانحة ليحيط القارئ العربي بإطلالة سريعة على كثير من مصادر البحث اللغوي، سواء في ذلك المصادر التراثية و المراجع المعاصرة، مع ربطها في الوقت نفسه بمستويات الاستخدام اللغوي في الحياة اليومية.

ز ــ أهمية الكتاب:


             استخدم المؤلف من المادة اللغوية التي جمعها ودونها ثلاثمائة وعشرًا من المواد اللغوية جعلها موضوع كتابه (تعاشيب اللغة في منطقة عسير)، واستند في سبيل بحثها إلى اثنين وثلاثين من المصادر والمراجع اللغوية، فجاء كتابه في مائة وستين صفحة من القطع المتوسط.


         و يعد صدور هذا الكتاب إضافة ذات نفع كبير في شتى مجالات المعرفة، وتتمثل أهميته في عدة جوانب، فهو يوثق مستويات العربية المعاصرة في منطقة عسير في هذه المرحلة من التاريخ، وهو كذلك يربط بين اللغة المستخدمة في الحياة اليومية وبين أصولها التراثية في علوم المعاجم والدلالة، ومصادر التراث العربي، كما أنه يقدم المادة اللغوية الجاهزة لإجراء الدراسات عليها، كالدراسات التي تعنى ببحث تطور اللغة وتغيرها، والدراسات المقارنة، كما أنه نافذة يطل منها القارئ العربي على ماضيه فينظره، وعلى حاضره فيستبصره، فلا يكون في مستقبله إلا قويًا متسلحًا بالوعي والثقافة.


ح ــ خاتمة: 


            إن ثقافتنا المعاصرة في حاجة ماسة إلى مثل هذا النوع من الدراسات اللغوية التي ترصد اللغة في بيئتها، وتوثقها في تطورها التاريخي، وإذا كان ابن معبِّرِ قد بادر فقام بهذه المحاولة تطبيقًا على منطقة عسير، فإننا في حاجة إلى مثل هذه الدراسات في شتى مناطق الوطن، بل في سائر البلدان العربية، ويبقى القول إن هذا الكتاب شهد جهدًا ميدانيًا واجتماعيًا كبيرًا سابقًا على كتابته فخروجه إلى النور، وما هذا الجهد الفردي الذي قام به ابن معبِّرِ إلا عمل تنوء به المؤسسات التي تجمع النصوص وتحلل المفردات، وتحلل وتنقب وتقارن، حتى تخرج لنا بأروع النتائج في أبهى الحلل.

         ولقد كنتُ أودُّ لو أن المؤلف أضاف أمرين يسيرين إلى كتابه، أولهما تسجيل انتساب هذه اللفظة أو تلك الكلمة إلى منطقة بعينها أو قرية معينة في عسير، فلو قدم لنا ذك لعرفنا على وجه الدقة مكان استخدام هذه اللفظة، أما الثاني، فقد كنت أحب أن يُثري المؤلفُ كتابَه بنصوص أدبية شعرية من القصائد التراثية، أو نثرية من الحكايات، أو المحادثات، أو الأمثال تتضمن بعض المفردات التي وردت في كتابه، فيكون بذلك قد عرض لنا المفردات في سياقها الجغرافي ــ عسير ــ وفي سياقها الأدبي ــ شعرًا أو نثرًاــ فإنُّما اللغة لالئ تأخذ مكانها البديع في عقود الأدب.


عن الكاتب

فادية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

مجلة ديوان العرب